ابو جعفر محمد جواد الخراساني
43
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
أنّه تعالى لمّا عرّفهم نفسه وأراهم صنعه وجعل فيهم ما إذا سألهم ، أجابوه ومكّنهم من المعرفة والقبول ؛ ثمّ استنطقهم فأجابوه ، واخذ منهم الميثاق فأطاعوه ؛ رفع عنهم تلك الأحوال وأنساهم ذلك المشهد ؛ ولكن أبقى فيهم ذلك التمكّن من تحصيل المعرفة وادراكها وقبولها . فهذه الأخبار ردّ على القائل بالجبر ومنكر الاستطاعة . وامّا استشهاد الباقر ( ع ) في الحديث الخامس بقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ . . . فإنّه أيضا لا يستقيم بظاهره ؛ ويرد عليه ما أوردنا على قوله ( ع ) : « . . . ثبتت المعرفة . . . » ؛ فإنّ المسؤولين لو كانوا هم المشركين ، فقد عرفت أنّ إقرارهم ليس مستندا إلى الفطرة ولا عن تذكّر الفطرة ، ولا عن كونهم مولودين على الفطرة ، ولا عن أنّه أراهم في عالم الذر نفسه وصنعه ، ولو كانوا هم الغافلين . فمع أنّ ، الحديث الثامن أثبت أنّهم لا يؤمنون ؛ ومثله روايات أخرى في اخذ الميثاق ، أنّ منهم من آمن ومنهم من جحد ، ومن جحد هناك لم يؤمن هنا ، فكيف يمكن نسبتهم إلى الفطرة على الاقرار ؟ مع أنّهم لم يؤمنوا هناك ، لم يكن اقرارهم أيضا لو اقرّوا مستندا إلى الفطرة ، قابل إلى الاحتجاج والاستدلال بعد السؤال . فلا بدّ لهذا الاستشهاد أيضا من محمل ، والمحمل أيضا ما ذكرنا ؛ وتوجيهه ، أنّه ( ع ) أراد أنّه تعالى لمّا أراهم صنعه وعرّفهم نفسه بما صنع منهم ما يعرفون ، ليعرفوا الخالق والرازق عن غيره ، وثبتت الاستطاعة والتمكّن من المعرفة وتميز الخالق عن غيره ؛ ولم يرفع ذلك عنهم حتّى أنّهم ولدوا أيضا على هذه الفطرة من التمكّن والتمييز ، فلذلك لئن سألتهم ؛ يعنى ، هؤلاء المشركين ، من خلق السّماوات والأرض ؟ فمع أنّهم يعبدون الأصنام ، ليقولنّ اللّه دون الأصنام ، لأنّهم يتمكّنون من معرفة الخالق والرازق وتمييزه عن غيره فقوله ( ع ) : « يعني ، على المعرفة بأنّ اللّه - عزّ وجلّ - خالقه في تفسير قوله ( ص ) : « يولد على الفطرة » ، يحمل على التمكّن على المعرفة . ومنها : قوله ( ص ) : « كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه » « 1 » ؛ والظاهر من السيد المرتضى ( ره ) أنّه ممّا نقله العامة والخاصّة ، وهو أيضا
--> ( 1 ) . البحار 3 : 281 / 22 .