ابو جعفر محمد جواد الخراساني
31
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
الحاصل بالكشف والحاصل بالفطرة ، كالفرق الحاصل بين ما هو حاصل بالعقل أو الكشف . اللّهمّ إلّا أن يخصّص الكشف ب « الجاهل الشّاك » ، والفطرة ب « الغافل » أو بالعكس ؛ وأنّ الثبوت بالفطرة اجماليّ ؛ كالثّبوت بالعقل ، وبالكشف تفصيلي ، وفيهما نظر . [ ما هو المراد من الفطرة ] ثمّ إنّ المراد بالفطرة ، دعوى مفطوريّة البشر على التوحيد ؛ كمفطوريّته على فطريّاته ، بحيث لو خلّي وطبعه ولم ير انسانا حتّى يكبر ، أقرّ بفطرته على وجود الصانع ؛ ولكنّها مغفول عنها بسبب الاختلاط بالأوهام والشبهات ، أو المتابعة للشهوات ؛ ومع ذلك ، غير زائلة بالكليّة ، بل هي مركوزة مغشية بالموانع ؛ فإذا ارتفعت الموانع ( وذلك عند الالجاء والاضطرار وانقطاع الأسباب ) ، ارتفع الغشاء ؛ وظهرت الفطرة من تحت الغطاء ، فاقرّت بإله السّماء . [ انكار الصدوق ( ره ) دعوى الفطرة ] وقد وقعت هذه الدعوى من بعض القدماء ، وأنكرها الصدوق ( ره ) أشدّ الانكار ؛ ولكن بالرّغم من ذلك ، كثر ذكرها في هذه الأعصار على الألسنة والأفواه ، خصوصا في زماننا حتّى صارت عند أهل زماننا من الأصول المسلّمة الّتي يشنع على منكرها ؛ وذلك لغلبة التقليد في هذه الأزمنة على التحقيق . وكيف كان ، فإنّ دعوى الفطرة على الوجه المتقدّم ، دعوى على ما لم يروا عيانا بأنفسهم ولم يشهدوه بأعينهم ؛ ومع ذلك ادّعوا رجما بالغيب : بأنّه لو كان كيف كانا ؟ كما قال الصدوق ( ره ) : « إنّ هذا الشيء لم يكن ، وهو اخبار بما لم يكن إن لو كان كيف كان يكون » . وإنّا نقول : هب أنّ طفلا ما رأى إنسانا حتّى البلوغ ، ثمّ شهدتموه أنّه حين بلغ أظهر الإيمانا . أو أنّكم قد شهدتم المنكر المضطرّ ، وسمعتم عند الاضطرار شهادة هذا المنكر بالإقرار ؛ [ طريق لاثبات الفطرة ] فمن أين يظهر لكم أنّ هذه الشّهادة من جهة زوال المانع عن لا الفطرة ، وأنّها من بروز الفطرة المودعة الكامنة ؟ فعلّه ألهم في ذا الحال ، فكانت الشّهادة بتوفيق خاصّ وعناية خاصّة ؛ ألهمه اللّه إيّاها في تلك الحالة وأرشد قلبه بإلهام منه ؛ أو كان اقراره عند ذلك بالعقل والاستدلال ؛ فإنّه عند الإلجاء والاضطرار ، يفرغ القلب للاستدلال ، وتظهر الحجّة عليه بلا ترديد واشكال . أو كان منكرا انكار جحود مع استيقان القلب للوجود ، فألجأه الاضطرار إلى الاقرار ؛ كما قال تعالى : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا . . . « 1 » . والحاصل : أنّ دعوى الفطرة ، لا طريق لهم إلى اثباتها ، ولا شاهد لهم على ثبوتها ، بل هي مبنيّة على دعويين أخريين : إحداهما ، أمر لم يتّفق إلى الآن ؛ والثانية ،
--> ( 1 ) . غافر 40 : 84 .