ابو جعفر محمد جواد الخراساني
28
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
والعقل غير مدرك بالذّات * للخارجيّات من الذّوات وإنّما يدرك بالحواس * أو صدق كلّي أو القياس فكلّ شيء غاب عن حسّ البشر * لا يهتدي إليه إلّا بالأثر واللّه غائب عن الحواسّ * فلا طريق غيره للنّاس والرّوايات أنّه تعالى مثلا : عالم ، قادر ، حكيم ، لطيف ؛ وأمّا أنّه كيف يكون عالما أو قادرا أو حكيما أو لطيفا ؟ فليس إلّا معرفة إجماليّة ، بل صريح عدّة من الرّوايات ذلك ؛ كما ستعرف في « باب أنّه تعالى لا يعرف بكنهه » و « باب أنّ صفاته عين ذاته » و « باب معاني الأسماء » . [ مقدار إدراك العقل وحدوده ] وأمّا العقل ، فبيان الحال فيه ما ذكرت : والعقل غير مدرك بالذّات من غير وساطة للخارجيّات من الذّوات العينيّة ؛ وإنّما يدرك الخارجيّات بالحواسّ الظاهرة ، أو بواسطة صدق كلّي عليها ، أو بواسطة القياس والتمثيل . وعلى هذا ، فكلّ شيء غاب عن حسّ البشر ، من المحسوس وغيره ، لا يهتدي العقل إليه إلّا بالأثر ، إذ لا طريق للعقل إذن إلى العلم به ومعرفته إلّا الآثار ؛ واللّه تعالى غائب عن الحواسّ ، فلا طريق غيره ؛ أي غير الأثر للنّاس . فيكون طريق معرفتهم إيّاه منحصرة ، بالآثار . وإذا ثبت انحصار طريق العقل بالآثار ، فلا محالة يكون ادراكه محدودا بما تؤدّي الآثار إليه . ومن المعلوم : أوّلا : أنّ الآثار ليست إلّا أفعالا معدودة . وثانيا : أنّها غير وافية بجميع خصوصيّات المؤثّر تفصيلا ؛ نظير ما إذا رأيت كتابا ، فإنّك بمجرّد النّظر إليه ، تعلم اجمالا أنّ له مؤلّف ، ثمّ إذا نظرت فيه وتصفّحته ، تعرف أنّه كان فصيحا ، بليغا ، شاعرا ، ماهرا وغير ذلك على حسب ما فيه من الآثار . وأمّا أنّه كيف كان فيما فقدت فيه الآثار من الأوصاف ، أو كيف كان في اتّصافه بالأوصاف الّتي تؤدّي إليها الآثار ؟ فلا سبيل إليه إلّا الاجمال . وثالثا : أنّ الآثار مع اجمال مؤدّاها ، إنّما تؤدّي إلى الأوصاف ، لا إلى كنه الذّات وحقيقته . وعلى هذا ، فمعرفة الصّانع من طريق العقل ، ليست إلّا مجملة ، اثباتا وهو ظاهر ، وتوصيفا لما بيّناه ، ولا يكاد يصل العقل إلى كنه الذّات . وإلى هذا التّفصيل أشرت بقولي :