ابو جعفر محمد جواد الخراساني

348

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

وبالأخيرين على ما رسما * قد خصّص التوحيد من تكلّما وما له وجه وإن خصّا هنا * بالبحث ، إذ سواهما قد زكنا وذان قد خصّا بدعوة الرسل * إذ فيهما شاع الضلال والسّبل ولا يقال واحد من العدد * ولا من الجنس ، لأنّه أحد والأحدىّ الذات ، لا جنس له * ولا له ثان يكون مثله [ التوحيد عند المتكلمين على نوعين ] ولكن بالأخيرين على ما رسما ؛ اى صار مرسوما ، قد خصّص التوحيد من تكلّما ؛ فانّ المعهود من المتكلّمين ، أنّهم ينوّعون التوحيد نوعين ، ويتكلّمون فيهما ، وان لم يسمّوا الأوّل ب « الربوبي » ؛ كما سمّيناه ، بل سمّوه ب « التوحيد الذاتي » . وهذا التخصيص ، ما له وجه ، بعد ما عرفت من اطلاق الواحد على الجهات المذكورة . ولعلّه ليس بتخصيص ، بل اختصاص البحث بهما لاختصاص الدعوة الظاهرة بهما ؛ كما نشير إليه . والحاصل : أنّ التوحيد لا يختصّ بهما ، وإن خصّا هنا بالبحث ، إذ سواهما قد زكنا ، فقد علم كلّ من محلّه ، وذان قد خصّا بدعوة الرسل ؛ حيث كانت الدعوة الظاهرة من الأنبياء ، مخصوصة بهذين التوحيدين ، إذ فيهما شاع الضلال والسّبل ؛ اى ضلال النّاس وسبلهم المتفرّقة ، فإنّ عامّة النّاس ، الّذين ابتلى بهم الأنبياء في كلّ زمان ، كانوا منحرفين عن اللّه تعالى ، إمّا بالشرك في ربوبيّته ، فلذلك خصّ ظاهر الدعوة بهم ، قال رسول اللّه ( ص ) : وابتعث فيهم النبيّين مبشّرين ومنذرين ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حىّ عن بيّنة ، وليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوا ، فيعرفوه بربوبيّته بعد ما أنكروا ، ويوحّدوه بالألوهيّة بعد ما عاندوا . » « 1 » ولا يقال له تعالى : أنّه واحد من العدد ؛ إذ الواحد من العدد يحتاج إلى ثان ؛ ولا يقال له أيضا : واحد من الجنس ، لأنّه تعالى أحد ، ومعنى الأحد ، أنّه تعالى احدىّ الذات والمعنى ، والأحديّ الذات ، لا جنس له ، لأنّه غير متجزّى ، وما لا يتجزّى ، لا جزء له ؛ وما لا جزء له ، لا جنس له ولا فصل ، فلا يقال : إنّه واحد من الجنس ، أو واحد في جنسه . والمراد بالجنس هنا ، الجنس العرفي ، لا المنطقي ؛ فيعمّ النوع والصنف . وحينئذ فلا جنس له ، ولا له ثان يكون مثله ، إذ المتماثلان ، يشتركان في الجنس

--> ( 1 ) . البحار 4 : 287 / 19 .