ابو جعفر محمد جواد الخراساني
312
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
فلم يرد شهود قلب الصادق * للذّات بل شهوده التحققىّ فمورد الحديث في التوقيف * وأوجب التوقيف في التوصيف إن صحّ وسع قلب مؤمن له * كان بأن يطيق ما حمّله وعلى هذا الّذي شرحنا معنى الحديث ، فلم يرد الإمام ( ع ) من تقرير معرفة عين الشاهد قبل صفته ، شهود قلب الصادق للذّات ، اى لذاته تعالى قبل معرفة وصفه ، وكيف يريد ذلك ؟ مع أنّه ( ع ) يصف المعرفة المطلوبة من الجميع ، وليس هذا الشهود ممّا يتمكّن منه عامّة النّاس ، لو فرض تمكّن الخاصّ منه ؛ أم كيف يجوز ان يحمل على إرادة نفسه ومن هو مثله بعد عموم السؤال في كلام السائل ، وهو ( ع ) مجيب عن هذا القائل ؟ بل إنّما أراد شهوده التحققىّ العلمي ؛ يعنى ، أنّه بمقتضى علمه به وايقانه بتدبيره ، يراه حاضرا غير غائب ، فعليه ان يستخبره في تعريف نفسه بما له من الوصف ، لا ان يصفه بوهمه ويقول فيه بتوهّمه ، ولكنّه لمّا كان حاضرا غير محسوس ، ولا يمكن الاستخبار لكلّ أحد ، إذ لم يجعل لكلّ أحد إليه سبيلا ، بل بعث الرسل ليكونوا إليه دليلا ؛ فلا بدّ له من أن يرجع في ذلك إلى أهل وحيه ، ولمّا لم يرد ( ع ) ان يصرّح بأنّه من هو استشهد بتأويل قوله تعالى : ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها . . . « 1 » ايماء بأنّ الإمام هو المرجع بعد الرسل ، فمورد الحديث على ما ظهر لك في التوقيف عن التوصيف ؛ اى وصف ذاته أو صفاته ، وهو أبين واتمّ أحاديثه شرحا وتعليلا على ما بيّناه ، وقد أوجب هذا الحديث التوقيف في التوصيف . [ وممّا استشهد به ما في بعض الأحاديث القدسية ] وممّا استشهد به أيضا ، ما في بعض الأحاديث القدسية « لا يسعني ارضى ولا سمائي ، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن . » « 2 » والجواب عنه : أنّه إن صحّ وسع قلب مؤمن له ؛ اى صحّ سند هذا الكلام ، كان وسعه بأن يطيق ما حمّله تعالى في الأيمان به ومعرفته ، وبعد معرفته من تحمّل الولاية وغيرها ، فإنّ الأرض والسّماء مع كبرها وسعتها لا تحتملان كثيرا من الأمور ؛ كما أشار إليه بقوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ . . . « 3 » فالمراد بما حمله ، اعمّ من
--> ( 1 ) . نمل 27 : 60 . ( 2 ) . البحار 58 : 39 / 61 . ( 3 ) . احزاب 33 : 72 .