ابو جعفر محمد جواد الخراساني
297
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
[ الكلام في الجملة المستشهد بها من دعاء عرفة على الكشف ] واذكر هنا ما يختصّ بهذه الجملة المستشهد بها ، فالّذى يرد عليها : أنّ فيها تهافت لا ينبغي صدور مثله عن الإمام ( ع ) ؛ فإنّ اوّله ، كلام المحجوب عن الوصال والمردّد في حجاب الآثار ، يتمنّى بعد اعترافه ببعده عن المزار ، الوصول إلى حضرة المحبوب من غير حجاب ، فيسأل منه خدمة توصله إليه وتوجب الاقتراب ؛ ووسطه وآخره يعطى بانّ الداعي قد بلغ ووصل به السير إلى النهاية ، حتّى استغنى عن الاستدلال عليه بالآثار ، وصار ظهوره لديه اظهر من كلّ شيء من غير استتار ؛ وهو كلام من بلغ حدّ الفناء واستوطن البقاء ، بحيث لا يكون محجوبا عن المحبوب بآن ولا غائبا عنه بزمان . وهذا التهافت يعطى بأن هذا القائل وان كان من الصوفيّة ، الّا انّه لم يكن ممّن يميز الأحوال ، بل سمع شيئا ولم يدر اين موضعه ؟ هذا أولا ؛ وثانيا : الجملة الأولى مع اشتمالها على ثلاث كلمات من مصطلحات الصوفيّة ، وهي « الخدمة » ، و « الجمع » ، و « الوصول » ، فإنّهم يقولون : لا يصل العبد إلى الكشف إلّا بالفناء ، ويسمّونه « مقام الوصل » ، و « مقام الجمع بعد التفرقة » ، ويقابله « مقام الاستدلال بالآثار » ، ويسمّونه « مقام التفرقة والبعد والمحجوبيّة » ، حيث يجعلون الآثار حجابا ؛ ثمّ يقولون : إنّه لا يصل العبد إلى هذا المقام إلّا بالخدمة التامّة ، ومن الخدمة ، الرياضيات الّتي وضعوها ، أثبتت اظهار الكراهة عن التدبّر في الآثار لإيجابه بعد المزار ، وهذا مخالف لما علم من مذهبهم ( ع ) من انحصار الطريق بالعقل ، والعقل بالآيات والآثار ، وامرهم ( ع ) بالتّفكر في الخلق وفي آياته ؛ كما مدح اللّه تعالى أولى الألباب به ، إذ قال : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا . . . « 1 » وثالثا : قوله : « كيف يستدلّ عليك ؟ . . . » استعجاب عن صحّة الاستدلال أو عن احتياجه تعالى إليه ، وعلّله بأمرين متهافتين :
--> ( 1 ) . آل عمران 3 : 191 .