ابو جعفر محمد جواد الخراساني
279
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
فالقلب ليس مدركا بنفسه * بل مدرك الإنسان محض نفسه والأصل في القلب هو الصنوبرىّ * آلة إحساس لها كالبصر يكنى به عن قوّة لا تبصر * وشأنها تفكّر تدبّر الوجه الأوّل : النّظر في القلب الّذي توهّموا أنّه غير سائر المدركات وأنّ له من التوسع ما ليس لغيره ، وابطال ذلك ؛ وان كان امتناع الذات يغنى عن هذه التكلّفات ؛ كما قدمنا الإشارة إليه في قصور المدركات ، بل قد تقدّم هناك ان الوجه في قصورها أيضا يرجع إلى امتناع الذات ؛ ولكن في اتمام الحجّة إنارة للمحجّة ، وان كان اللجوج غير محجوج ، فلذلك بدأت أوّلا بالنّظر في شان القلب ، فقلت : فالقلب ليس مدركا للأشياء بنفسه ، إذ ليس من المدركات ؛ بل مدرك الإنسان في جميع ما يدركه بالحواسّ الظاهرة والباطنة محض نفسه لا غير ، واطلاق المدرك على غيرها بلحاظ أنّها آلاتها وقواها ، وإلّا فالمدرك الأصلي في كلّ انسان نفسه وروحه . [ الكلام في شأن القلب وكيفية إدراكه الأشياء ] وللقلب بحسب العرف واللّغة اطلاقان ، لا ثالث لهما ، ولا يخرج عنهما أيضا منطق الآيات والروايات ، الأوّل : وهو الأصل فيه ؛ كما قلت : والأصل في القلب ، هو اللّحم الصّنوبريّ ، وهو آلة إحساس لها ( للنفس ) ؛ كالبصر والسمع وغيرهما ، غاية الأمر أنّه مركز اجتماع الحواسّ الظاهرة ومجتمع الإحساسات ، وقد تقدّم . والثاني : ما قلت : يكنى به بعد ذلك عن قوّة لطيفة لا تبصر ؛ اي ليست مثل اللحم الصنوبري تدرك بالبصر ، وشانها تفكّر وتدبّر ؛ اي يراد به القوّة المتفكّرة والمتدبّرة للأشياء ، ولازمها تدبير الحواس أيضا . وهذا الإطلاق إمّا من باب اشتراك اللفظ ، أو من باب أنّ محلّ تمركز هذه القوّة أو محلّ بروز حكومتها ، هذا العضو الخاصّ من البدن . [ القلب في القرآن ] وكيف كان ، فمن اطلاقه في الكتاب العزيز على الأوّل ، قوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ