ابو جعفر محمد جواد الخراساني
278
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
ووافقهم على الأولى ، جميع الفلاسفة ، وعلى الثانية ، أكثرهم ، عدا من ذهب إلى تأصّل الماهيّة في الممكن ، وعلى الثالثة : قوم منهم ، ولكن لم يدّعوه لأنفسهم . والدعاوى الثلاثة ، كلّها باطلة على مذهب أهل البيت ( ع ) ، الّا انّ المقصود هنا ابطال الدعوى الثالثة ، ولكن لا تخصّص الكلام بهم ولا بفرض كون ذاته تعالى هو الوجود ، لئلّا يتوهّم متوهّم أنّ الفساد مبنىّ على القول به وبالوحدة أو الفناء ؛ كما حصل شبه ذلك لبعض المعاصرين ، فإنّه تخيّل أنّ فساد الكشف لأجل عدم اهليّة مدّعيه ، أو لأجل قولهم بالفناء ؛ فقال : لا مانع من أن يعرّف اللّه تعالى أوليائه الخاصّة ممّن شملتهم العناية الإلهيّة ، ذاته المقدّسة بالذّات المقدّسة بنوره ، عرفانا شهوديا ، بقدر ما شاء ، من غير الفناء الّذي يقول به الصوفيّة . وزعم انّ هذا من معرفة الذات بالذات ؛ وأنّه شيء استفاده من الروايات - أعاذنا اللّه من أمثال هذه التوهّمات - بل المدّعى من مذهب أهل البيت ( ع ) ، [ امتناع كشف ذاته تعالى في مذهب أهل البيت ( ع ) ] أنّ كشف الذات وادراكه من حيث هو ذاته تعالى ممتنع بالذات ، سمّى كشفا صوفيّا أم لم يسمّ ، قيل معه بالفناء أم لم يقل ، قيل بوحدة الوجود أم لم يقل ، قيل بأنّه هو الوجود أم لم يقل ، قيل باهليّة الكاشف أم لم يقل . ثمّ انّه بعد ما نبّهناك عليه من حدوث هذا القول بعد حدوث الفلسفة وانتشارها ، وذلك بعد مضيّ زمن طويل من صدر الإسلام ، وأنّه بعد حدوثه كان مستورا بين أهله ؛ كما اعترفوا به في مدّة تقرب من مائتي سنة وزيادة ، ولأجل ذلك لم يسأل أهل البيت ( ع ) عنه ، ولم يرد عنهم ( ع ) فيه نصّ خاصّ ، ظهر لك أنّه لا يبقى طريق للعلم بمذهبهم ( ع ) الّا الاستفادة والاستنباط من جوامعهم الكليّة الّتي القوها في التوحيد ؛ فانّهم ( ع ) تأسيا بربّهم ذكروا فيه ما سئلوا وما لم يسألوا ، جوامع كليّة يستخرج منها حكم ما سئلوا وما لم يسئلوا إلى يوم القيامة ؛ كما أنّه تعالى ذكر في كتابه جوامع كذلك مثل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الخ « 1 » وقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 2 » وقوله لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً « 3 » وقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 4 » وغير ذلك . [ وجهان في إبطال توهّم القائل بالكشف ] ثمّ إنّ القائل بالكشف حيث يدّعى حصوله بالقلب ، كان له توهّمان : توهّم جواز الكشف ، وتوهّم حصوله بالقلب وتمكّن القلب منه ، فله إذن دعويان ؛ فالّذى نذكر في ابطاله مستشهدا بما ورد عنهم ( ع ) أيضا وجهان :
--> ( 1 ) . الاخلاص 112 : 1 . ( 2 ) . الانعام 6 : 103 . ( 3 ) . طه 20 : 110 . ( 4 ) . الشورى 42 : 11 .