ابو جعفر محمد جواد الخراساني
264
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
وليس إمّا في غد إيمان * أو هاهنا إذ فقد العيان وإذ هما ضدّان زال ما هنا * وهو خلاف ما لنا تبيّنا وهنا يزيد للامتناع وجه آخر ، أشرت إليه : وليس إمّا في غد إيمان ، أو هاهنا ، إذ فقد العيان ، لأنّ هنا المعرفة علميّة ، وهي اكتسابيّة ، والعيانيّة ضروريّة ، وهما ضدّان لا يجتمعان ؛ لأنّ الاكتسابيّة غيابيّة ، والضروريّة حضوريّة ، ولا يجتمع الغياب والحضور ؛ فإذا تبدّل الغياب بالحضور ، انقلب العلم إلى الحضور . ومن توهّم جواز اجتماعهما ، قياسا باجتماع ضوء المصباح أو النّجوم مع الشمس ، فقد وهم . لانّ هناك مجرّد اندكاك الأثر مع بقاء الأسباب ، وهنا ليس الّا اندكاك السبب ؛ اعني الغياب ، فليس إلّا من باب الانقلاب . وحينئذ ، فإمّا أن تكون تلك المعرفة الضرورية ايمانا ، أم ليست بايمان ؛ فان كانت ايمانا ، لم تكن المعرفة الاكتسابيّة في الدنيا ايمانا ؛ لأنّها ضدّها ، وهو خلاف الحقّ الثابت المعلوم ؛ وان لم تكن ايمانا ، فالمفروض أنّهما ضدّان . وإذ هما ضدّان لا يجتمعان ، زال ما هنا للانقلاب ، وهو أيضا خلاف ما لنا تبيّنا من الحقّ الثابت المعلوم . إذ المحقّق المعلوم ، أنّ المؤمنين في الآخرة ، هم المؤمنون في الدنيا ، وانّ الأيمان باق لهم في الحشر والجنان من غير زوال ونقصان . وهذا المعنى غير أنّهم يثابون به في المعاد . حتّى يقال لا مانع من الثواب على ما كان . وهذا الوجه نصّ به الرضا ( ع ) ، فعن محمّد بن عبيده ، قال : كتبت إلى أبى الحسن الرضا ( ع ) : اسأله عن الرؤية وما ترويه العامّة والخاصّة ، وسألته ان يشرح لي ذلك . فكتب ( ع ) بخطّه : « اتّفق الجميع لا تمانع بينهم ، إنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورية ؛ فإذا جاز ان يرى اللّه بالعين ، وقعت المعرفة ضرورة . ثمّ لم تخل تلك المعرفة من أن تكون ايمانا أو ليست بايمان ؛ فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايمانا ، فالمعرفة في دار الدنيا ليست بايمان ؛ لأنّها ضدّه ، فلا يكون في الدنيا أحد مؤمنا ، لأنّهم لم يرو اللّه ، وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية ايمانا ، لم تخل هذه المعرفة الّتي من جهة