ابو جعفر محمد جواد الخراساني
211
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
مع ابقاء الحديثين على ظاهرهما ، ان يقال : إنّ هذه العبارة ؛ اعني : « ان اللّه خلق آدم على صورته » عبارة معروفة بين النّاس ، مشهورة على الألسن ، وقد صدرت بعينها عن النبيّ ( ص ) أيضا ، لكنّها في مورد خاص ، ولم يعن بها ما يعني به بها النّاس من عود الضمير في صورته إلى اللّه ، بل إلى الشخص المسبوب ، وليس مستند النّاس فيها قول النبيّ ( ص ) ، بل المستند عندهم شهرتها ومعروفيّتها . نعم ، ربما يعلّل أهل الإلحاد ، استنادهم فيها إلى قوله ( ص ) مع التصحيف والتحريف ، طلبا للتّعمية والتمويه ؛ فالحديثان النافيان ، ينقيان هذا الإلحاد ؛ وحديث أبي جعفر ( ع ) ، ناظر إلى نفس العبارة من غير الاستناد ، وهو يثبت أنّ لها أصلا ، ولكن لا على المعنى الّذي يريده الملحدون أيضا ؛ بل على المعنى الّذي ذكره . وحينئذ فيحمل قول محمّد بن مسلم « سألت أبا جعفر ( ع ) عمّا يروون » على ما يرويه النّاس بعضهم ، من غير استناد إلى قوله ( ص ) ، إذ ليس فيه صراحة فيما يروونه عن النّبي ( ص ) . ويؤيّد هذا الحمل ، وأنّ لهذه العبارة أصلا من غير قول النّبي ( ص ) ، قول الصادق ( ع ) في الحديث المتقدّم في ابطال التناسخ ، حيث قال : « وزعموا أنّ مدبّر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجّة من روى أنّ اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » . فإنّ حدوث التناسخ قبل الإسلام وقد كانت هذه الجملة معروفة يلحد فيها الملاحدة ، ويصطادون بها العوام . امّا الرواية الثانية : الّتي رووها عن النّبي ( ص ) ، فعن البزنطي ، عن الرضا ( ع ) ، قال ، قال ( ع ) : « يا احمد ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم ؟ فقلت جعلت فداك ! قلنا : نحن بالصورة ، للحديث الّذي روي أنّ رسول اللّه ( ص ) رأى ربّه في صورة شابّ ، وقال هشام بن الحكم : بالنّفي بالجسم ، فقال ( ع ) يا احمد ! إنّ رسول اللّه ( ص ) لما اسرى به إلى السّماء ، وبلغ عند سدرة المنتهى ، خرق له في الحجب مثل سمّ الإبرة ، فرأى من نور العظمة ما شاء اللّه ان يرى ، وأردتم أنتم التشبيه دع هذا يا احمد ! لا ينفتح عليك منه امر ا عظيم » « 2 » . وفي حديث آخر له ، قال : قلت : جعلت فداك ، هم يقولون في الصفة ، فقال لي : « هو ابتداء أنّ رسول اللّه ( ص ) لمّا اسرى به ، أوقفه جبرئيل موقفا لم يطأه أحد قطّ ،
--> ( 1 ) . البحار 4 : 320 / 3 . ( 2 ) . المصدر 3 : 307 / 45 .