ابو جعفر محمد جواد الخراساني
199
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
منتهاه ، بل فوق هذا المثل بما لا نهاية له ، لأنّ الأمثال كلّها تقصر عنه ولكنّها تقود العقل إلى معرفته . فإن قالوا : لم يختلف فيه ؟ قيل لهم : لقصر الأوهام عن مدى عظمته وتعديها اقدارها في طلب معرفته وأنّها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه ، فمن ذلك ، هذه الشّمس الّتي تراها تطلع على العالم ، ولا يوقف على حقيقة امرها ، ولذلك كثرت الأقاويل فيها واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها ، فقال بعضهم : هو فلك أجوف مملوّ نارا ، ثمّ اختلفوا في شكلها ، فقال بعضهم : هي بمنزلة صفحة عريضة ؛ وقال آخرون : كالكرة المدحرجة . وكذلك اختلفوا في مقدارها ، فزعم بعضهم : أنّها مثل الأرض سواء . ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من امرها ، وإذا كانت هذه الشّمس الّتي يقع عليها البصر ويدركها الحسّ ، قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها ، فكيف ما لطف عن الحسّ واستتر عن الوهم ؟ فإن قالوا : ولم استتر ؟ قيل لهم : لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن النّاس بالأبواب والسّتور ، وإنّما معنى قولنا استتر ، أنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام ؛ كما لطفت النّفس وهي خلق من خلقه وارتفعت عن ادراكها بالنّظر . فإن قالوا : ولم لطف ، وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا ؟ كان ذلك خطاء من القول لا يليق بالّذي هو خالق كلّ شيء ، إلّا ان يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا عن كلّ شيء سبحانه وتعالى . فإن قالوا : كيف يعقل ان يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا ؟ قيل لهم : الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء ، هو أربعة أوجه : فأوّلها : أن تنظر أموجود هو أم ليس بموجود .