ابو جعفر محمد جواد الخراساني
198
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
والتكذيب ، فقالوا : ولم لا يدرك بالعقل ؟ قيل : لأنّه فوق مرتبة العقل ؛ كما لا يدرك البصر ما فوق مرتبته ، فإنّك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء ، علمت أنّ راميا يرمي به ، فليس هذا العلم من قبل البصر ، بل من قبل العقل ، لأنّ العقل ، هو الّذي يميّزه فيعلم أنّ الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه ، أفلا ترى كيف وقف البصر على حدّه ، فلم يتجاوزه ، فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق ، فلا يعدوه ولكن يعقله بعقل اقرّ أنّ فيه نفسا ولم يعاينها ، ولم يدركها بحاسّة من الحواس . وعلى حسب هذا أيضا ، نقول : أن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته . فإن قالوا : فكيف يكلّف العبد الضعيف ، معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به ؟ قيل لهم : إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه ، وهو ان يوقنوا به ويقفوا عند امره ونهيه ، ولم يكلّفوا الإحاطة بصفته ، كما انّ الملك لا يكلّف رعيّته ان يعلموا أطويل ، أم قصير ابيض هو ، أم أسمر ، وإنّما يكلّفهم الإذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره . ألا ترى أنّ رجلا لو أتى باب الملك ، فقال : اعرض عليّ نفسك حتّى اتقصّى معرفتك ، وإلّا لم اسمع لك ، كان قد احلّ نفسه للعقوبة ؟ فكذا القائل أنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه . فإن قالوا : أوليس نصفه ، فنقول العزيز الحكيم ، الجواد ، الكريم ؟ قيل لهم : كلّ هذه ، صفات اقرار ، وليست صفات إحاطة ، فإنّا نعلم أنّه حكيم ولا نحيط بكنه ذلك منه ، وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته ، كما قد نرى السّماء ولا ندري ابن