ابو جعفر محمد جواد الخراساني
9
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
فيضلّوا بغير علم ويضلّوا النّاس . فإذا هم على خلاف ذلك ، يدعون العقول إلى التّعبد بالقبول من غير حجّة ، ويطلبون منهم التسليم والاقتداء من غير تبيين محجّة . كلّا ! ما هكذا الظنّ به ولا بهم . ولكن المخالفين لهم والصادّين عنهم سوّلت لهم أنفسهم ، فصنعوا مثل هذه المكيدة ، ليستدرجوا الناس إلى فساد العقيدة . إذ ليست عامّة الناس ولا خاصّتهم في ابتداء أمرهم ، مطّلعة على أحاديث آل الرّسول ( عليهم السّلام ) في المعارف والأصول ؛ فيقبلون منهم تقليدا من غير تحقيق ، أنّ الرّجوع إلى الحديث في التوحيد يكون من التقليد . أوليس يسأل عنهم كيف صار قبول قول أرسطو وأفلاطون والفارابي والغزالي وجنيد وبايزيد وغيرهم ، من التحقيق دون التقليد ، وقبول قول الرسول وآل الرّسول ( سلام اللّه عليهم أجمعين ) من التقليد في الأصول ؟ ! تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى . « 1 » فهل لهم في ذلك جواب غير أن يقولوا : إنّ قبول قول هؤلاء ، ليس من باب الاتّكاء على المنقول ، ولا الاعتماد على القائل في القبول ؛ بل من باب أنّهم تكلّموا بالعقول ، فالاعتماد إذن على العقول ، لا على شخص القائل ولا المعقول ؟ فنحن أيضا نقول بمثل ذلك : إنّا لا نعتمد على الأحاديث في الأصول ، بما أنّها من آل الرّسول ( عليهم السّلام ) ، كاعتمادنا عليها في الفروع ، بل بما أنّها مبنيّة على العقول . وذلك ، لأنّ الفروع ممّا لا تصل إلى وجهها وحكمها العقول بالاستقلال ، « انّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » « 2 » ، وليس على اللّه بيان الوجه والاستدلال ، بل على الناس القبول بعد الإيمان ومعرفة الرّسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، فلا مجال فيها إلّا التعبّد والتسليم . وامّا الأصول ، فتصديق اجمالها مقصور على العقول ، ولا يمكن جبر العقل بالقبول قبل وضوحه لديه وثبوته عليه ؛ وادراك تفصيلها عندنا ، موقوف على ارشاد الرسول وآل الرّسول ( عليهم السّلام ) بحجّة واضحة ، يستنكف العقل عن النكول . وليس للعقل الاستقلال بنفسه في مقام التفصيل ، لعدم احاطته التّامّة ، ولو تكلّف بالدّليل . فلو تكلّف فيما ليس من حدّه ، لم يكن جهده إلّا في تضليل . ولذلك ترى الفلاسفة يناقض بعضهم بعضا في هذا الباب وغيره ؛ وكلّ يدّعي العقل والبرهان ، وهذا شاهد جلّي على خطأ العقل والفكر في ادراك الأشياء تفصيلا بحقائقها ، لولا ارشاد بارئها
--> ( 1 ) . النجم 53 : 22 . ( 2 ) . كمال الدين : 329 / 9 .