ابو جعفر محمد جواد الخراساني
8
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
والعارف يقول : « إنّها مقام الشهود ومن شأن القلب المزكى عن التعيّنات والحدود . » فالمعرفة إذن ، أمر لا يتقوّم بالتّقليد ، بل لا بدّ فيها إمّا من التحقيق أو التجريد ، وبناؤها على الأحاديث ليس إلّا تقليدا ، إذ ليست إلّا تعبّدا وتقييدا . وبهذا التمهيد ، يجلبون النّاس إلى قبول ما يلفقون ويصدّونهم عن السّبيل ويحسبون أنهم مهتدون . وهذا من أتمّ مصائدهم وشبكاتهم ، لاصطياد الناس إلى أوهامهم وشبهاتهم . ولكن هذه الشبكة أوهن من بيت العنكبوت ، لا يصطاد بها الّا ضعاف صغار الحوت . وامّا المطّلع بأصول المذاهب واخباره ، فهو يعلم أنّ هذا القول مكيدة من ختّاره . والجواب عنها ، مضافا إلى ما تقرأ في هذا الكتاب ( من انهدام بنيان هذين الفنين باساسهما ، وأنّه لا أصل لهما إلّا كسراب وانّ اساسهما مبنيّ على الفرض والخيال ) انّ العرفان على فرض صحته بزعمهم ، ليس له أساس غير أساس الفلسفة ؛ بل هما شيء واحد . والفرق ، إنّ الفلسفة مقام العلم والتصوّر ، والعرفان بزعم أهله مقام الإيقان والشهود . ومعلوم أنّ مقام التصوّر قبل مقام المعاينة ، ومقام الاثبات ثبوتا قبل مقام الإثبات شهودا . فلا يمكن طلب الشّهود من دون تصوّر المقصود ، ولا السعي في طلب شيء قبل استحضاره في التصوّر . فإذن ، التحقيق المخرج عن التقليد بزعم الفريقين في البداية ، منحصر بالعقل ؛ إلّا أن العارف يدّعي بعد ذلك في النّهاية ، الخروج من العقل والنقل ، فيرى الحكيم متوقّفا في العقل ومقلّدا للعقل والبرهان ، ويرى نفسه خارجا عن كلّ تقليد بالعيان . وعليه ، فليس لنا من العارف جواب آخر في مقام الاثبات . والّذي يدّعيه بعد الإثبات ، لا ينظر إليه إلّا بعد الفراغ عنه ، و « دون اثباته خرط القتاد » . فاعلم في الجواب ، أنّ كذب هذه المكيدة والتلبيس ، من أبين المبان لمن طالع « اخبار أهل البيت ( عليهم السّلام ) في التوحيد والعرفان » . فمن يطالعها ، يظهر له أنّ هذه النّسبة كذب وبهتان ؛ فانّهم ( عليهم السّلام ) لم يتكلّموا في ذلك إلّا بالعقل والبرهان . ولعمري ! إنّ هذا من سوء الظنّ بمن اصطفاه اللّه على أهل العقول ، ليكونوا هداة لهم إلى السبل ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 1 » ؛ كيلا يعملوا بالقياس ،
--> ( 1 ) . النساء 4 : 165 .