ابو جعفر محمد جواد الخراساني

106

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

بل كلّ ما في الكون ذو انتساق * وإنّما الخرق بالاتّفاق والاتّفاق خارق الطبيعة * لا خارق الشيء إلى الصنيعة لو أنّ دولابا تراه تتّثق * بأنّه بنفسه لم يتّفق فكيف بده العالم الكبير * كان بلا عمد ولا تدبير ؟ وأصل هذا المنكر العجاب * الجهل بالحكمة والأسباب وإنّهم في هذه الدنيّة * توقعوا معيشة هنيّة من غير محنة ولا ابتلاء * ولا عقوبة على اجتراء وأن يعافوا دائما من كلّ شرّ * ولا يصيبهم أذى ولا ضرر وإذ رأوا خلاف ما هم أمّلوا * تعلّلوا بأنّهم قد أهملوا ولم تصل أحلامهم إلى الحكم * فأنكروا الربّ وتاهوا في الظلم فآل أمرهم إلى الرأي الأضلّ * بأنّ الأشياء كلّها من الأزل يمكن الاتّفاق من غير سبب ، لكنّه إنّما يصحّ ان يصار إليه في الشيء الّذي حدث أحيانا وفيما اتّفق اختراق على خلاف العادة المستمرّة لا في الأشياء الّتي قامت على نظام ونسق واحد ، يجري نظامها على الدوام والتوالي ؛ كاللّيل والنّهار والأفلاك ، وكلّ ما يجري متّسقا بلا انفكاك ، كالطبائع العنصريّة للعناصر ، والحركات والآثار الكواكب والصور النوعيّة النباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة . بل عند التحقيق ، كلّ ما في الكون ذو انتساق ، لا يجري فيه الاتّفاق ولا تصدق عليه الصدفة . وإنّما الخرق للعادات يكون بالاتّفاق ، والاتّفاق لو صحّ وكان ، فإنّما هو خارق الطبيعة وناقضها ، لا خارق الشيء من العدم إلى الصنيعة ، وكيف يمكن فرض الاتّفاق وهو وقوع الشيء في بعض الأحيان لهذا العالم الكبير بما فيه ؟ فيقال : إنّه بجميع ما فيه صار موجودا بنحو الاتّفاق ومن غير سبب ، وكيف يرضى عاقل من نفسه بأن يحكم عليه بأنّه اتّفاقيّ ولو أنّ دولابا تراه في مفازة ، وهي تتحرّك وتعمل ، تتّثق وتطمئنّ بأنّه بنفسه لم يتّفق ، فكيف بدء العالم الكبير كان بالاتّفاق من نفسه بلا عمد ولا تدبير ؟ [ منشأ حدوث قول الدهري بأن العالم حادث بالاتفاق والصدفة ] وأصل هذا البدع المنكر العجاب ومنشأ حدوثه عن أهل الارتياب أمران : الأوّل : الجهل بالحكمة والأسباب ؛ والثاني : إنّهم في هذه الدنيا الدنيّة ، توقعوا معيشة هنيّة مرضيّة من غير محنة ولا ابتلاء ، ولا عقوبة على الاجتراء منهم على المعاصي ؛ وتوقّعوا أن يعافوا دائما من