تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
93
نظرية المعرفة
شيء يجب أن يقلب رأساً على عقب تماماً ، وأن أبدأ من أساس جديد إذا شئت أن أقرر شيئاً راسخاً وباقياً » « 1 » . ويستمر ديكارت في تأكيد هذا الشك فيقول : « إنّي أفترض إذن أن كل الأُمور الّتي أُشاهدها هي باطلة ، وأتصور أنّه لا يوجد عندي أي حسّ ، وأتصور أنّ الجسم والشكل والامتدادات والحركة والمكان ، ليست إلّا تخيلات من صنع عقلي . فما ذا عسى أن يُعَدّ حقيقياً ، ربما إنّه لا شيء في العالم يقيني » . ثمّ يقول : « من يدريني : لعلّ هناك شيئاً مختلفاً عن تلك الأشياء الّتي حسبتها غير يقينية ، شيئاً لا يمكن أبداً الشك فيه . ألا يوجد إله أو قوّة أُخرى تصنع في عقلي هذه الأفكار ؟ » . . . « من أين أعلم أنّه ليس من خادع يخدعني بكل ما أوتي من حيلة وقوّة في فكري وتصوري ، فيخيل لي المعدوم موجوداً ، أو بالعكس » « 2 » . فهو يقول - بعبارة أُخرى - : من الجائز أن أكون واقعاً تحت تأثير قوّة تهيمن على وجودي وعقلي ، وتحاول خداعي وتضليلي ، فتوحي إليّ بأفكار مقلوبة عن الواقع وإدراكات خاطئة . ومهما كانت هذه الأفكار والإدراكات واضحة ، فلا أستطيع أن استبعد هذا الفرد الّذي يضطرني إلى اتّخاذ الشكّ مذهباً مطرداً . وعلى ذلك ، فالشك المنهجي لديكارت يبتني على احتمالين : 1 . احتمال بطلان كل ما يعتقده صحيحاً فعلًا ، كما بَطَلَ ما كان يعتقده صحيحاً سابقاً . 2 . احتمال كونه واقعاً تحت تأثير قوّة كبرى تخدعه وتضلله . وهكذا ، حاق به الشكّ في كل ما يتصور ويتخيل ، وكاد ألمه أن يهلكه ، حتّى وصل إلى قضية يقينية لم يقدر أن ينفيها عن نفسه ، أو يشك فيها ، ألا وهي أنّه يفكر ، وذلك لأنّه مهما شكّ في الأشياء ، لا يشكّ في شكّه ، فشكّه أمر بديهي له ، وليس الشكّ إلّا التفكير ، وليس خارجاً عن إطاره .
--> ( 1 ) . نشرة آدم وتانري : 7 / 17 ، على ما في موسوعة الفلسفة : 1 / 493 . ( 2 ) . المصدر السابق .