تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

94

نظرية المعرفة

« أنا أفكر إذن أنا موجود » . ثمّ صار وجود التفكر نواة لقضية يقينية أُخرى وهي أنّه موجود ، لأنّه بدا له أنّ التفكير يحتاج إلى مفكّر ولا ينفك عنه ، فقال : « أنا أفكر ، لكن ما هو الشيء الّذي يفكر ، إنّه شيء يَشُكُّ ، ويفهمُ ، ويتصوَّرُ ، ويقرِّرُ ، وينفي ، ويريد أو لا يريدُ ، ويَحُسُّ » ، ثمّ استنتج من ذلك أنّه ليس إلّا ذاته ونفسه وطبيعته . وكانت النتيجة أن قرر ديكارت مقالته المشهورة : « أنا أفكر ، إذن أنا موجود » « 1 » . اللَّه موجود ثمّ بدأ ديكارت بالاستدلال على قضية يقينية أُخرى ، وهي أنّ اللَّه موجود ، وقرّر الاستدلال كما يلي : لا يمكن أن أكون أنا مصدر هذه الفكرة - أي فكرة اللَّه - فهذه الفكرة تُصوِّر لي جوهراً لا متناهياً ، سرمدياً ، ثابتاً ، مستقلًا . فحقيقة هذا الجوهر تتجاوز إذن ماهيتي وحقيقتي ، فكيف يمكن أن أكون مصدراً لها . فإذن فكرة اللَّه على هذا النحو لا يمكن أن يكون مصدرها كائناً آخر غير اللَّه نفسه . وبعبارة أُخرى : إذا فكرت في اللَّه ، وجدت فيه من المزايا العظيمة الفائقة الّتي كلما تأمّلت فيها بعناية أكثر اعتبرت نفسي أقلّ قدرة على إنتاج هذه الفكرة نفسي بنفسي . فإنّ كوني جوهراً لا يجعلني أنتج فكرة جوهر لا متناه ، لأنّي أنا كائن متناه ، لو لم تكن هذه الفكرة ( فكرة جوهر لا متناه ) قد أودعها في نفسي جوهر لا متناه حقّاً . ف « ديكارت » إذن مقتنع ومتأكد من أنّ فكرة وجود « موجود لا متناه ومطلق الكمال » هي فكرة صحيحة ومتميزة . الأفكار الفطرية ثمّ يستدل ديكارت بعد ذلك على أنّ كل فكرة تنتهي إلى اللَّه فهي فكرة

--> ( 1 ) . لاحظ المصدر السابق : 495 .