تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

67

نظرية المعرفة

والجواب عن هذه الشبهة من وجهين : أولًا - إنّ القائلين بمنهج اليقين لا يدّعون أنّ الإنسان خُلِقَ مصوناً عن الخطأ والسهو ، وأنّ الحواس الإنسانية لا تحيد عن الحقيقة ، بل كلُّ ذي لبٍّ يعترف بأنّ له أخطاءً جمّة ربما تحيط به وهو غافل عنها ، بل ربما يقضي حياته على غفلات واشتباهات ، وإنّما غرضهم أنّ وراء ذاتنا وتفكيرنا واقعيات وحقائق نصل إليها بالحواس ، يرشدنا إلى ذلك الإمكان ، نفس أفعالنا في الضروريات اليومية الّتي تصدر منّا على نظام واحد ، فإنّ أبناء البشر يأكلون إذا جاعوا ، ويشربون إذا ظمئوا ، ويفرون من الضواري إذا واجهتهم . ولو كان ذلك من مواليد أوهامهم ، فأي معنى لهذا النظام السائد ؟ . ولما ذا لا يأكلون عند الظمأ ولا يفرون عند الجوع ؟ . كل ذلك يرشدنا إلى التفريق بين التفكير الّذي ليس وراءه واقع موضوعي ، والتفكير الّذي وراءه ذلك الواقع . فما يرومه الشكاك من إثبات الخطأ في بعض الحواس ، لا ينفي ما يرومه المؤمن بالحقائق ، القائل بأنّ وراء المعرفة الإنسانية حقائق وواقعيات يمكن أن يصل إليها الإنسان في الجملة . وثانياً - إنَّ الاهتداء إلى وقوع الخطأ فيما ذكر من الأمثلة ، دليل على أنّ هناك حقائق مسلّمة لا يشوبها ريبُ الشك ، وقد اهتدينا ببركتها إلى وجود بعض الأخطاء . ففي الأمثلة الّتي استدل بها الشكاك على منهجه دليل واضح على أنّ له علوماً قطعية يعتمد عليها في القضاء بالخطإ في إدراك القلم منكسراً في الماء ، والقطرة النازلة من السماء خطأ ممتداً ، وهو علمه بأنّ للقلم شكلًا ثابتاً في الماء وخارجه ، وأنّه ليس في الهواء أيُّ خطٍّ ، فيرجع - عند ذاك - إلى تخطئة ما يدركه الحسّ . فلو لم يكن هناك ما يتصف بالصحة على وجه الجزم ، لما اهتدينا إلى وجود هذه الأخطاء ، فإنّ الخطأ أمر نسبي وقياسي ، فلا يمكن الحكم بكون النسبة غلطاً إلّا بقياسها على أمر آخر يكون الحكم فيه مسلَّماً ، ليحكم بالصحة عند التطابق ، والخطأ عند التخالف . والغلط لا يستنتج من مثله ، ولا يجوز الحكم ببطلان أمر إذا قيس بباطل آخر . هذا .