تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

68

نظرية المعرفة

ولا بدّ من إلفات نظر الباحث إلى أنّ بعض الحواسِّ قد تكشف خطأ حاسَّة أُخرى ، ففي مورد القلم الّذي يتراءى في الماء منكسراً ، تلمسه اليد مستقيماً مستوياً ، فتكشف حاسَّةُ اللَّمس خطأَ حاسّة البصر ، وهكذا سائر الحواس « 1 » . الشبهة الثانية - المُدْرَك هو الصور الذهنية لا الواقع إنّ الإنسان لا يقف عند عملية الإدراك إلّا على الصورة الذهنية ، ولا ينال الواقع الموضوعي . وانطلاقاً من هذا ، لا يصحّ لنا الإذعان بوجود حقائق خارجية ، إذ الحاصل عندنا هو العلم لا المعلوم الخارجي ، فإنّ من المعلوم أنّ للواقع الخارجي آثاراً خاصّة غير موجودة في الفكر عند الإدراك . وإن شئت قلت : إنّ الوسائل التي تَجَهَّزَ بها الإنسان للوصول إلى الواقع ، لا توصله إلّا إلى الصور العلمية والإدراكات الذهنية القائمة في ذهنه . فالإنسان الّذي يُطِلُّ على العالم بنظره حتّى عن طريق المِجْهَر والتلسكوب ، لا يحصل له - رغم ما يتحمله من الجهود - إلّا صور ذهنية ، وهي لا تروي غليله . الجواب : إنّ المستدلّ نظر إلى العلم بما هو هو ، بالنظر الموضوعي والاستقلالي لا بالنظر الآلي والطريقي ، فألغى جهة كشفه وطريقيّته ، فرتّب عليه ما رتّب . ولكنه غفل عن أنّ العلم والكشف عن معلوم سواه ، متلازمان لا يتفارقان ، وأنّ

--> ( 1 ) . لم يتجاهل الفلاسفة الإسلاميون البحث حول هذه الشكوك . وقد عقد صدر المتألهين في أسفاره فصلًا لذلك ، وممّا قاله : زعم بعضهم أنْ لا حقيقة للكيفيات المحسوسة بل هي مجرد انفعالات تعرض للحواس . وقال : من حججهم أنّ الإنسان الواحد قد يرى جسماً واحداً على لونين مختلفين ، بحسب وضعين منه ، كطوق الحمامة يُرى مرّة أشقر ومرّة على لون الذهب بحسب اختلاف المقامات ، وأيضاً السكَّر في فم الصفراوي مرّ وفي غيره حلو ، فلا حقيقة لهذه الأشياء إلّا انفعال الحواس الخ . . . ثمّ أخذ بنقده . ( لاحظ الأسفار : 4 / 65 - 66 ) الفصل السادس عشر . كما بسط الإمام الرازي الكلام في حلّ هذه الأمثلة الّتي وقعت ذريعة في أيدي الشكّاكين ، لاحظ المباحث المشرقية : 1 / 350 - 352 .