تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
66
نظرية المعرفة
بحلاوته ، في حين أنّه لو تناول ملحاً ثمّ أكل بعده البطيخ ، يشعر بحلاوته . وعلى ضوء جميع ذلك ، كيف يطمئنُّ الإنسان إلى ما يقف عليه من طريق الحس ؟ . وقد ذكر القاضي الإيجي كثيراً من الأمثلة الّتي يغلط فيها الحسّ ، قال : « إنّا نرى الصغير كبيراً ، كالنار البعيدة في الظلمة ، وكالعنب في الماء تُرى كالإجاصة ، والخاتم المُقَرَّب من العين يرى كالحلقة الكبيرة . وبالعكس كالأشياء البعيدة . والواحد كثيراً كالقمر إذا نظرنا إليه مع غمض إحدى العينين ، أو إلى الماء عند طلوعه ، فإنّا نراه قمرين ، وكالأحول ، فإنّه يرى الواحد اثنين . وبالعكس ، كالرّحى إذا أُخرج من مركزها إلى محيطها خطوط متقاربة بألوان مختلفة ، بأنّها إذا دارت رؤيت كاللون الواحد الممتزج منها . والمعدوم موجوداً ، كالسراب ، وما يريه صاحب خفة اليد والشعبذة ، وكالخط لنزول القطرة ، والدائرة لإدارة الشعلة بسرعة . والمتحرك ساكناً ، وبالعكس ، كالظل يرى ساكناً وهو متحرّك ، وكراكب السفينة يراها ساكنة والشط متحركاً . والمتحرك إلى جهة ، متحركاً إلى خلافها ، كالقمر سائر إلى الغيم حين يسير الغيم إليه ، وإذا تحرّكنا إلى جهة ، رأيناه متحركاً إليها ، وإن تحرّك إلى خلافها . والشجر على الشط متنكّساً . والوجه طويلًا وعريضاً ومُعْوَجّاً بحسب اختلاف شكل المرآة » « 1 » .
--> ( 1 ) . وقد حاول تصحيح كلامهم بعد ذلك ، فقال : ولعلّهم أرادوا أنّ جزم العقل ليس بمجرّد الحسّ ، بل مع أُمور تنضم إليه ، فتضطره إلى الجزم ، لا نعلم ما هي ؟ ومتى حصلت ؟ وكيف حصلت ؟ وإلّا ( أي إن لم يريدوا بالقدح في الحسيّات ما ذكرناه من التأويل ) فإليها ( أي إلى الحسيّات ) تنتهي علومهم ( المواقف : 15 ، ط عالم الكتب - بيروت ) . يقول الشريف في شرح هذه العبارة : فيكون القدح الحقيقي فيها ، قدحٌ في علومهم الّتي يفتخرون بها ، وذلك لا يُتصوّر ممن له أدنى مِسْكة ، فكيف مِنْ هؤلاء الأذكياء الأجلاء . ثمّ بَيّن كيف تنتهي علومنا إلى الحسيّات ، وأضاف بأنّ القدح في الحسيّات يؤول إلى القدح في البديهيّات . ( شرح المواقف : 1 / 126 ) . وقد ذكر في المواقف شبهات أُخرى للقادحين في البديهيات ، فمن أراد الاطّلاع فليلاحظ : 16 ، 19 .