تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
44
نظرية المعرفة
الاستدلال إمّا أن يكون بالكلي على الجزئي ، وهو القياس ، وعُرّف بأنّه قولٌ مؤلف من قضايا ، متى سلّمت ، لزم عنه - لذاته - « 1 » قولٌ آخر . كما إذا سلّمنا الصغرى : « العالم متغيّر » ، والكبرى : « كل متغيّر حادث » ، فإنّه يلزم عنه - لذاته - قول آخر وهو : « العالم حادث » . وإمّا بالجزئي على الكلّي ، وهو الاستقراء ، وهو إثبات الحكم الكلي ، لثبوته في جزئياته ، إمّا كلها فيفيد اليقين ، أو بعضِها ولا يفيد إلّا الظن ، لجواز أن يكون ما لم يستقرئ على خلاف ما استقرأ ، كما يقال : « كلُّ حيوان يحرّك عند المضغ فكّه الأسفل » ، لأنّ الإنسان والفرس وغيرهما ممّا نشاهده كذلك ، مع أنّ التمساح بخلافه . وإمّا بالجزئي على الجزئي ، وهو التمثيل ، ويسمّيه الفقهاء قياساً ، وهو مشاركة أمر بأمر في علة الحكم « 2 » . ونخص الكلام في المقام بالقياس ، فنقول : إنّ القياس يتألف من هيئة ومادّة ، وقد بحث المنطقيون عن كل واحد منهما في فصول خاصة . أمّا بالنسبة إلى الهيئة ، فينقسم إلى الأشكال الأربعة المعروفة . وذلك أنَّ الحدّ الأوسط ، إمّا أن يكون محمولًا في الصغرى وموضوعاً في الكبرى ، أو يكون محمولًا فيهما ، أو موضوعاً فيهما ، أو موضوعاً في الصغرى محمولًا في الكبرى . فالأول هو الشكل الأول ، والثاني هو الثاني ، والثالث الثالث ، والرابع الرابع . وأمّا بالنسبة إلى المادة ، فله أقسام خمسة : 1 . البرهان ، وهو القياس المفيد تصديقاً جازماً ، وكان المطلوب حقّاً واقعاً .
--> ( 1 ) . يخرج بهذا القيد قياس المساواة ، كقولنا : زيد يساوي عمراً في الطول ، وعمرو يساوي بكراً في الطول ، فالنتيجة أنّ زيداً يساوي عمراً في الطول ، فإن صدق النتيجة ليس لذات القياس ، بل لمقدمة خارجة عنه ، معلومة سابقاً وهي أنّ مساوي المساوي مساوٍ ، في الكميات . ( 2 ) . سيأتي بيان كل من الاستقراء والتمثيل على حدة ، عند البحث عن أدوات المعرفة .