تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

258

نظرية المعرفة

شاهدت ، أنا مشيت ، أنا فكّرت ، أنا أذعنت . فلا مناص - حينئذٍ - من الاعتراف بأنّ هناك ، وراء هذه المحمولات ، موضوعاً واحداً ، تحمل عليه جميع هذه المحمولات ، حتّى يصحّ هذا الإسناد . ولو كان المشار إليه هو نفس التصورات والأفعال المتراكمة ، لوجب أن تكون هذه القضايا محمولات بلا موضوع ، لأنّ القائل لا يعترف إلّا بالفعل كالرؤية ، والتفكير و . . . ، أو يلزم أن يكون الموضوع نفس المحمول ، لأنّه إذا كانت الأفعال المتلاحقة هي نفس « أنا » ، يكون الموضوع مفهوماً منتزعاً من تلك الأفعال ، وكلا الأمرين - أي كون القضية بلا موضوع ، أو كون الموضوع نفس المحمول - خاطئ بالوجدان والبرهان . وبعبارة أُخرى : إذا صحّت نظرية الحسيين القائلة بأنّ شخصية الإنسان ليست سوى نفس أفعاله ، لزم من ذلك أن يكون الموضوع نفس المحمول ، بمعين أن يكون المنسوب إليه نفس المنسوب . وهذا ما ذكرنا من أنّه يستلزم أن تكون القضايا فاقدة للموضوع ، أو تكون نفس المحمول . والكل باطل ، لأنّ المحمول غير الموضوع ، والمنسوب إليه غير المنسوب . وهذا خير دليل على وجود حقيقة مستقلة عن الأفكار والأفعال ، هي الشخصية الإنسانية المعبّر عنها ب « أنا » ، أو النفس الإنسانية » « 1 » . وهذا كما يدلّ على وجود مصدرٍ لهذه الأفعال ، يدلّ على أنّه غير البدن ، لأنّ المفروض أنّ ما يصدر من الأعضاء - كالرؤية والتفكير - يسند إليه أيضاً ، لا إلى البدن . وهذا يكشف عن أنّه غير البدن ، وعن أنّه خارج عن إطار الحسّ والمادّة . وهكذا إذن ، فالموضوعات المجرّدة ، تماماً كالموضوعات المادية ، واقعة تحت أفق المعرفة ، عبر النوافذ الّتي يمكن الإنسان بها التطلع إلى ما وراء عالم المادة .

--> ( 1 ) . وقد اكتفينا هنا بهذا البرهان . وذكرنا ثلاثة براهين أخرى على تجرد النفس في بحث المعاد من « الإلهيات » ، تحت عنوان تجرّد الروح الإنسانية ، وكلّها براهين علمية يعتمد عليها الفلاسفة وعلماء النفس . ونشير إلى رءوسها : أ - ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغيّرات الجسدية . ب - علم الإنسان بنفسه مع غفلته عن بدنه . ج - عدم انقسام الذات الإنسانية .