تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

256

نظرية المعرفة

يقول سبحانه : « وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى » « 1 » . يقول العلامة محمد حسين الطباطبائي ( 1321 - 1402 ه ) : الجهر بالقول ، رفعُ الصوت به . والإسرار خلافه . قال تعالى : « وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ » « 2 » . و « أخفى » : أَفْعَل التفضيل من الخفاء ، وذِكْر الجهر بالقول في الآية أولًا ، ثمّ إثبات العلم بما هو أدقّ منه ، وهو السرّ ، والترقّي إلى أخفى ، يدلّ على أنّ المراد إثبات العلم بالجميع ، والمعنى : وإن جهرت بقولك وأعلنت ما تريده ، أو أسررته في نفسك وكتمته ، لا بل كان أخفى من ذلك ، بأن كان خفياً حتّى عليك نفسك ، فإن اللَّه يعلمه . « 3 » فالآية تدلّ على أنّ هناك أشياء في الضمير الإنساني ، مكتومة على الإنسان نفسه ، لأنّها ليست في عقله الواعي ، بل في عقله الباطن الّذي لا تتجلى سرائره وخفاياه إلّا في حالات خاصة كما ذكرنا . وروى الصدوق في معاني الأخبار عن محمد بن مسلم ، قال : « سألت أبا عبد اللَّه ( الإمام الصادق ) عليه السلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ : « يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى » ، قال : « السرّ ما أكننته في نفسك ، و « أخفى » : ما خطر ببالك ثمّ أنسيته » . « 4 » وقال الإمام علي عليه السلام في إشارة واضحة إلى العقل الباطن الّذي يختفي عند سيادة العقل الواعي ، ثمّ يظهر على حين غرّة عند كبوته أو خضوعه للمؤثرات النفسية القوية : « ما أَضْمَرَ أحدٌ شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه » « 5 » . وقال عليه السلام في الدعاء الّذي علّمه لكميل بن زياد النخعي : « إلهي

--> ( 1 ) . طه : 7 . ( 2 ) . المُلْك : 13 . ( 3 ) . الميزان في تفسير القرآن : 14 / 132 . ( 4 ) . معاني الأخبار : 1 / الباب 82 ، ص 143 ، الحديث الأوّل . ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام : 4 / 3 . ( 5 ) . نهج البلاغة ، قصار الحكم ، الرقم 26 .