تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

254

نظرية المعرفة

ومع ذلك كلّه فقد كشفت عنه الأبحاث النفسية ، ودلّت عليه المشهودات الحسيّة من أفعال الإنسان في الحالات المختلفة الّتي ذكرناها . أفيصح بعد هذا أن يقال إنّ التعرّف على الذهن الباطن غير ممكن بحجة أنّه غير ملموس ولا محسوس ولا واقع في إطار التمثيل والاستقراء والتجربة ؟ بل يكفينا في ذلك أنّ الأثر يكشف عن وجود المؤثر ، والآية تدلّ على ذيها . ولا خصوصية لهذا المقام ، بل جميع المغيبات من هذا القبيل ، نكشفها بآثارها وآياتها . وممّا يثبت أنّ للإنسان عقلًا باطناً أنّه ربّما يتأثر بعوامل خارجية ، خارجة عن إطار العقل الواعي ، خصوصاً إذا عطل العقل الواعي بالتنويم الصناعي أو المغناطيسي الّذي كشفه الدكتور مسمر « 1 » الألماني في القرن الثامن عشر ، وجاهد هو وأتباعه مدى قرن كامل من الزمن في سبيل إثباته . وقد نجح في اختباراته ، فاعترف العلماء به علمياً ، وها نحن نضع بين يديك هنا تجربة واحدة من تجارب التنويم الصناعي تقرّب إليك البعيد ، نقلها الأستاذ المصري الزرقاني في مناهل العرفان ، قال : « هذه التجربة رأيتها بعيني ، وسمعتها بأُذني ، على مرأى ومسمع من جمهور مثقف كبير . قام المحاضر وأحضر الوسيط ، وهو فتىً فيه استعداد خاص للتأثر بالأستاذ . نظر الأستاذ في عيني الوسيط نظرات عميقة نافذة ، وأجرى عليه حركات يسمونها سحبات ، فما هي إلّا لحظة حتّى رأينا الوسيط يغط غطيط النائم ، وقد انتقع لونه ، وهمد جسمه ، وفقد إحساسه المعتاد ، حتّى لقد كان أحدنا يخزه بالإبرة وخزات عدّة ، ويخزه كذلك ثانٍ وثالث ، فلا يبدي الوسيط حراكاً ، ولا يظهر أي عرض لشعوره وإحساسه بها . وحينئذٍ تأكّدنا أنّه قد نام ذلك النوم الصناعي أو المغناطيسي وهنالك تسلّط الأستاذ على الوسيط يسأله : ما اسمك ؟ . فأجابه باسمه الحقيقي ، فقال الأستاذ : ليس هذا هو اسمك ، وإنّما اسمك كذا ( وافترى عليه اسماً آخر ) ، ثمّ أخذ يقرر في نفس الوسيط هذا الاسم الجديد الكاذب ، ويمحو منه أثر الاسم القديم الصادق بواسطة أغاليط

--> ( 1 ) . فردريك أنطون مسمر ( 1734 - 1815 م ) .