تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

234

نظرية المعرفة

فإذا طرحت أمام الإنسان قضية ما ، لا يدري هل هي صحيحة وصادقة أو زائفة وموهومة ، يُرجعها إلى تلك القضايا والمعارف الضرورية ، فإن صدّقت تلك هذه ، كانت قضية حقّة ، وإن لم تصدّقها كانت قضية باطلة . وعلى هذا ، فكل إنسان متطلب للحقّ ومتحرٍّ للحقيقة يجب أن يصنّف قضاياه ، ويقسمها إلى قسمين : بديهية ونظرية ، ثمّ يحتفظ بالأُولى لتكون مفتاحه للوصول إلى الثانية ، وحلّها ، وإدراك صدقها أو بطلانها . مثلًا : إذا علمنا أنّ زاوية ( أ ) تساوي زاوية ( ب ) ، وعلمنا أيضاً أنّ زاوية ( ب ) تساوي زاوية ( ج ) . ولكن لم نعلم هل زاوية ( أ ) تساوي زاوية ( ج ) أو لا . فالعلمان المتقدمان ، يكونان مفتاحاً لحل المشكلة ، واكتشاف حكم القضية الثالثة ، فلا نتحرج هنا من القول بأنّ زاوية ( أ ) تساوي قطعاً زاوية ( ج ) . وذلك لأنّ قانون المساواة من القضايا البديهية الّتي يدركها العقل في الأمور الكمية . وهكذا إذا كان زيد وعمرو متساويين في الطول ، وعمرو وبكر متساويين في الطول ، فزيد وبكر متساويان في الطول . فالقضايا المجهولة المشكوكة صحةً وبطلاناً ، تنتهي إلى بديهيات عقلية ، ولو بوسائط متعددة ، وهي الكاشفة لصدقها أو بطلانها . حتّى أنّ التجربة الّتي احتلت الصدارة في الفلسفة والعلوم الحديثة في مجال اكتشاف الحقائق ، لا تستغني عن معرفة عقلية بديهية هي الضامنة لصحة النتيجة ، والتجربة بحدّ ذاتها غير كافية في هذا المجال . وقد سبق أن ذكرنا عند البحث عن أدوات المعرفة ، أنَّ تبسيط وتعميم نتيجة التجربة إلى جميع الأفراد والموارد المتماثلة في الحقيقة قائم أساساً على قضاء العقل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد . والكثير من المتجددين يزعمون أنّ الفلسفة الأرسطية فلسفة فكرية بحتة ، وأنّ الفلسفة الغربية الحديثة الّتي وضع « بيكون » « 1 » ( 1561 - 1626 م ) أساسها ، علمية تجريبية ؛ ولكنّه زعم غير خال عن المغالطة ، فإنّهم إن أرادوا أنّها

--> ( 1 ) . nocaB sicnarF .