تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

118

نظرية المعرفة

ومنذ ظهرت الفلسفة المادية سلكت في مجال المعرفة ، مسلكين مختلفين ، وانقسم أتباعها إلى طائفتين : 1 . المادية الميكانيكية يُسْنِد أَتباعُ هذا المسلك نظريتهم إلى « ديموقريطس » اليوناني « 1 » ، الّذي اتّهم بالفلسفة المادية ، وإليه تنسب النظرية الذرية ، الّتي يعبّر عنها بنظرية « الجوهر الفرد » في الفلسفة الإسلامية . وحاصلها أنَّ المادة عبارة عن جزئيات صلبة صغيرة لا تقبل التغيّر ولا الانقسام . فالمادّة الأوليّة هي مجموع تلك الذرّات الصلبة والجواهر الفردة . وأمّا الظواهر الطبيعة ، ككون شيء إنساناً أو حيواناً أو نباتاً ، فهي ناتجة عن انتقال تلك الجواهر الفردة من مكان إلى مكان . ولما كانت هذه النظرية الفلسفية محتاجة إلى دعم علمي ، فقد فسّرتها الفيزياء الحديثة ، في القرن الثامن عشر بالتفسير الآلي ، كما تفسر الحركة في رقّاص الساعة . وافترضت - لتكميل التفسير الآلي لظواهر الطبيعة - وجود قوى وعلاقات خاصة بين الجواهر الفردة . وعلى ضوء ذلك ، فكلُّ ما يطرأ على المادة من تبدلات وتغيّرات ، فإنّما هو مفروض عليها ، وليس نابعاً من ذاتها وصميمها ، كالحركة العارضة على العربة أو السفينة أو رقّاص الساعة ، فإنّ الوسيلة ثابتة في ذاتها ، غير متغيرة ، وإنّما فرضت عليها الحركة باقتران مادة أُخرى بها ، كالحصان ، والمحرك ، والريح . وهكذا الأمر في التغيّرات الحاصلة في عالم الطبيعة . وقد عُرِف هذا المنهج بالمنهج الماديّ الميكانيكيّ ، وتبنّاه جلّ الفلاسفة الماديّين في القرن الثامن عشر الميلادي .

--> ( 1 ) . sutircomeD عاش في القرن الخامس قبل الميلاد . ولد في « أبديرا » في اليونان ، حيث ولد « لوقيبوس » suppicueL أيضاً ، الّذي يرتبط ذكره بذكر « ديموقريطس » بوصفه مؤسساً للنظرية الذريّة . وربما يقال إنّ « لوقيبوس » قد عرض النظرية في بادئ الأمر ، ثمّ أحكم « ديموقريطس » صياغتها . وأهمية الرجلين ترجع إلى نظرية الذريّة العامة .