تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

119

نظرية المعرفة

وعلى ضوء ذلك ، فأنصار هذا المنهج من الماديين كانوا يعتقدون - في باب نظرية المعرفة - بالإدراكات الصحيحة المطلقة ، وأنّ أدوات الإدراك ، كالحسّ ، ليس لها دور إلّا كونها وسائل انتقال من الخارج إلى الذهن . فالعين - مثلًا - جهاز شبيه بعدسة آلة التصوير ، تأخذ صور الأشياء من الأشياء ، في ظلّ حركات ميكانيكية ، لا تمسّ حقيقة الصورة الملتقطة ولا تُبدّل فيها . فما لدى الإنسان من صور الأشياء ، لا يختلف عمّا في الخارج ، في الماهية ، ولو كان ثمة اختلاف ، فإنّما هو في كيفية الوجود ، وأنّ الحركة العارضة عليها لا تمسّ صميم المادة والصورة . فالصورة المأخوذة من الخارج موجودة في محالّ الإدراك من دون أن يطرأ عليها تحوّل وتبدّل ، فهؤلاء كانوا ماديين ، موضوعيين ، واقعيين على الإطلاق . 2 . المادية الديالكتيكية ولما أطلّ القرن التاسع عشر ، أخذت الفلسفة المادية لنفسها منحى آخر في مجال الحركة الطبيعية ، فذهبت إلى أنّ الحركة في المادة أمرٌ ذاتيٌّ لها ، نابعة من صميم المادة وصلبها ، ولا تفرض من عامل خارج عنها . وهكذا ، تبدلت الفلسفة المادية الميكانيكية إلى فلسفة مادية ديالكتيكية ، وأخذت لنفسها عين الاتّجاه الّذي سلكه النسبيون . وقد بنى الديالكتيكيون نظريتهم على أُصول مسلَّمة عندهم ، هي : 1 . لا شيء في دار الوجود غير المادة وقواها . فالوجود هو المادة ، والمادة هي عين الوجود ( الوجود / المادة ) . 2 . التكامل والتحوّل ، ذاتيان للمادة ، لا ينفكان عنها . 3 . المادة لا تسكن عن فعلٍ وانفعالٍ ، وتأثيرٍ مستمرٍ بين أجزائها ، ولا تهدأ عن التفاعل آناً ما . وعلى هذه الأُصول ، قالوا : التفكير عبارة عن الأثر المتولد من تأثير الخارج في الأعصاب أو الدماغ ، وتأثرها به « 1 » . وإن شئت قلت : التفكير عبارة عن الأثر

--> ( 1 ) . المراد أن الخارج معدّ لحدوث التغيرات الذاتية في الدماغ .