فخر الدين الرازي

9

النبوات وما يتعلق بها

كلم عالم من العلماء اليوم كافرا بكلام عن الدين . يكون الكافر « بشرا » أراد اللّه أن يكلمه ، ويكون العالم رسول رسول اللّه على سبيل المجاز . ولذلك كان نبي الاسلام صلى اللّه عليه وسلم « خاتم النبيين » . وبعض فلاسفة المسلمين يقولون : - وقولهم باطل - ان مخيلة النبي تتصل بالعقل الفعال الّذي يفيض على المخيلة ، وبالفيض تدرك أمور الغيب يقظة أو مناما - واليقظة عند الأنبياء كالمنام - وما تراه مخيلتهم أثناء اليقظة هو الوحي ، وينكرون رؤية الملاك حالة كونه مشكلا بشكل انسى ، أو على صورته الحقيقية . ومن أثبت الملائكة للوحي يقول : من الجائز أن يرى النبي صور الملائكة بعينيه ويكلمها ويتلقى عنها الوحي ، مع أن هذه الصور - في زعمه - قد شكلتها مخيلته ، ولم يكن لها وجود فعلى في الخارج . وقد حكى قول هؤلاء الفلاسفة الامام فخر الدين الرازي في فصل « تقرير طريقة الفلاسفة في كيفية ظهور المعجزات على الأنبياء عليهم السلام » من كتاب « النبوات وما يتعلق بها » وعقب على قولهم بما نصه : « ان كلامهم في غاية الضعف والفساد . والحق : أن هذا الباب يحتمل وجوها كثيرة : فأحدها : انا قد بينا : أن النفوس الناطقة أنواع كثيرة ، وطوائف مختلفة ، ولكل طائفة منها روح فلكى ، هو العلة لوجودها ، وهو المتكفل باصلاح أحوالها ، وذلك الروح الفلكي كالأصل والمعدن والينبوع بالنسبة إليها . وسميناه بالطباع التام ، فلا يمتنع أن يكون الّذي يريها في المنامات تارة ، وفي اليقظة أخرى ، وعلى سبيل الالهامات ثالثا : هو ذلك الطباع التام ، ولا يمتنع كون ذلك الطباع قادرا على أن يتشكل بأشكال مختلفة ، يحسب جسم مخصوص هو آلته في جميع أعماله . وثانيها : أن نثبت طوائف الملائكة وطوائف الجن ، ونحكم بكونها قادرة على أن تأتى بأعمال مخصوصة ، عندما يظهرون للبشر . وعلى أعمال أخرى ، عندما يحتجبون عن البشر . والقول بهذا ، أولى من القول بالتزام السفسطة . فهذا ما نقوله في هذا الباب » أه . وأعلم : أنه على كلام الفلاسفة لا تعرف الفرق بين « النبي » الحقيقي ، وبين « الصوفي » - المدعى أنه من أهل الاسلام - فمن ذا الّذي لا يقرأ عبارة ابن سينا هذه ولا يفطن إلى ضلاله في الدين ؟ : « وإذا بلغك أن عارفا حدث عن غيب ، فأصاب متقدما ببشرى ، أو نذير . فصدق ، ولا يتعسرن عليك