فخر الدين الرازي
76
النبوات وما يتعلق بها
الفصل الثاني في حكاية شبهات من أنكر النبوات بناء على نفى التكليف اعلم أن المنكرين للتكليف فريقان : منهم من يبنى ذلك الانكار على القول بالجبر ، ومنهم من ينكر التكليف ، لا بالبناء على الجبر . بل على طرق أخرى . الفريق الأول : الذين بنوا انكار التكليف على الجبر فهؤلاء قالوا : القول بالجبر حق ، فالقول بانكار التكليف حق ، فالقول بانكار النبوة حق . فهذه مقدمات ثلاث : المقدمة الأولى في بيان أن القول بالجبر حق : اعلم : أن الكلام في تقريره سيأتي بالاستقصاء في كتاب « 1 » مفرد . الا أنا نذكر الآن وجوها على سبيل الايجاز : فالوجه الأول : ان المتمكن من الفعل ، اما أن يكون متمكنا من تركه أو لا يكون . فإن كان المتمكن من الفعل ، متمكنا من تركه . فرجحان جانب الفعل على جانب الترك ، اما أن يتوقف على مرجح ، أو لا يتوقف . فان توقف على مرجح ، فذلك المرجح ان كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وان كان من غيره : فحينئذ يلزم الجبر . وأما أن حصل ذلك الترجيح ، لا لمرجح . أو يقال : انه ترجح جانب الفعل على جانب الترك لا لمرجح أصلا . فهذا باطل لوجهين : الأول : انه يقتضي رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح : وذلك يمنع من الاستدلال بحدوث المحدثات ، وبامكان الممكنات على وجود الصانع . وإذا بطل القول بالصانع ، كان بطلان القول بالتكليف وبالنبوات الزم .
--> ( 1 ) فصل ( ت ) وهو يشير إلى كتاب « الجبر والقدر » أو « القضاء والقدر » .