فخر الدين الرازي

67

النبوات وما يتعلق بها

ولأن « قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » أي خائفة من ظن التقصير في عمل الخير ، نجد النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول عن نفسه : « ما أدرى وأنا رسول اللّه ما يفعل بي » وذلك في الحديث الّذي رواه البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت ان أم العلاء - وهي امرأة من الأنصار ممن بايعوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم - أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين أول ما قدموا عليهم بالقرعة . قالت : فطار لنا - أي كان من نصيبنا - عثمان بن مظعون ، من أفضل المهاجرين وأكابرهم ، وممن شهد بدرا فاشتكى ، فمرضناه ، حتى إذا توفى وجعلناه في ثيابه ، دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقلت : رحمة اللّه عليك يا أبا السائب . فشهادتى عليك : لقد أكرمك اللّه تعالى . فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وما يدريك أن اللّه أكرمه ؟ » فقالت : لا أدرى بأبى أنت وأمي يا رسول اللّه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما عثمان فقد جاءه اليقين ، واللّه انى أرجو له الخير . ما أدرى وأنا رسول اللّه ما يفعل بي » قالت : فو اللّه لا أزكى أحدا بعده أبدا . كرامات الأولياء في نظر المعتزلة : ولقد وجهت المدرسة الأشعرية نقدا عنيفا للمعتزلة لقولهم بانكار الكرامات . ولم يوضحوا حقيقة الكرامات التي أنكرها المعتزلة . والحق : أن المعتزلة لم ينكروا الا خرافات المتصوفة عن الأنبياء وعن كراماتهم . أما الكرامات الصحيحة وهي البشرى واطمئنان القلب والهداية إلى العمل المفيد الّذي يريده المؤمن فان المعتزلة لا ينكرونها . وكيف ينكرونها ؟ واللّه اخبر عن كرامات للاحياء ، ولم يخبر عن كرامات تظهر على الأموات . أي الكرامات للاحياء وليست للأموات . فان الميت لا يظهر منه شيء بعد موته ، لا لنفسه ولا لغيره . لا للنفع ولا للضرر . يقول الامام الجليل محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538 ه في تفسير قوله تعالى : « أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » . . . الخ : « أَوْلِياءَ اللَّهِ » : الذين يتولونه بالطاعة ، ويتولاهم بالكرامة . وقد فسر ذلك في قوله : « الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ » فهو توليهم إياه « لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ » فهو توليه إياهم . وعن سعيد بن جبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل : من أولياء اللّه ؟ فقال :