فخر الدين الرازي

64

النبوات وما يتعلق بها

الكرامات في نظر الراسخين في العلم : وهذه أمثلة « 1 » نذكرها لإيضاح معنى « الكرامة » 1 - كان رجل يفعل الخير دائما . وكان له جار حسود ، إذا رآه يفعل خيرا ، يقول للناس : انه لا يفعل الخير رغبة في الثواب من اللّه ، وانما لمصلحة له يريد تحقيقها . وهكذا يقول في كل أعمال رجل الخير . وبعد سنوات ، أظهر اللّه للناس الحق ، فمقتوا الحسود . فظهور الحق بعد طول زمان هو « الكرامة » ومقت الحسود هو « الإهانة » ولم تظهر الكرامة بدون أسباب ، ولم يظهر المقت بدون أسباب ، بل ماضي كل منهما أدى إلى النتيجة . 2 - كان رجل يبحث عن « مسألة علمية » وطال بحثه فيها ، لأنه يريد نصرة دين اللّه بها . وفجاة هداه اللّه تعالى إلى كتاب فيه هذه المسألة . ولما قرأه وفهمه واحتج بما فيه على نصرة دين اللّه ، فطن إلى أن هدى اللّه « كرامة » واللّه لم يكرمه بها الا بعد جهاده في البحث والتحري . 3 - كان رجل يعرف من أمر صاحبه : أنه يصيبه نفع من « زيد » من الناس . ومن أجل هذا النفع يصد عن الحق ، ولا يقبل النصيحة . فأثناء خصامه معه ، قال له على سبيل التهكم : الآن سيأتيك « زيدا » بما ينفعك به دائما . وما هي الا لحظة أو تكاد ، حتى دخل عليه « زيد » بما ينفعه به من مأكل ومشرب . فدخول « زيد » عقب قوله سيأتيك النفع : يعتبر « كرامة » ولولا أنها مخاصمة من أجل اللّه ، ما أصابه اللّه بهذه « البشرى » . وقد تنوب « الأحلام » مقام « اليقظة » وفي مثل هذه الأمثلة . باعتبار أن ماضي الانسان هو الّذي يوصل إلى النتائج . فلو حلم مثلا أنه سيقول لزبد هذا الكلام ، وفي الصباح تحقق الحلم . فإنه زيادة اكرام ، وتأكيد للكرامة . ولو حلم بحل المسألة العلمية وفي الصباح التقى بالكتاب فأخبره ، فإنه تأكيد للكرامة .

--> ( 1 ) رويت هذه الأمثلة لكاتب المبحث من رجال صادقين .