فخر الدين الرازي

211

النبوات وما يتعلق بها

الفصل الثاني في بيان أن الوقوف على أصول هذا العلم عسر جدا اعلم « 1 » : أن صعوبة هذا العلم تظهر من أصول ثلاثة : الأصل الأول انه يعسر علينا معرفة جميع النيرات الفلكية وبيانه من وجوه : الأول : أن الاستقراء يدل على أن رؤية الصغير من المسافة البعيدة ممتنعة . وإذا ثبت هذا ، فنقول : ان أصغر كوكب من الكواكب الثابتة - وهو الّذي تمتحن برؤيته القوة الباصرة - : مثل الأرض بضع عشرة مرة . فان قدرنا أن هذه الكواكب حصلت في الفلك الأعظم ، لصارت المسافة « 2 » أعظم ، فحينئذ كان يمتنع ابصاره لا محالة . وإذا ثبت هذا فنقول : انه يقال : ان « عطارد » جزء من ثلاثين ألف جزء من كرة « الأرض » وهو في غاية . فلو قدرنا حصول كواكب مساوية لعطارد في الجرم على الفلك الأعظم ، ( أعنى الجرم الأول ) « 3 » لكانت رؤيتها ممتنعة قطعا ، فثبت : أن عدم ابصارنا لأمثال هذه الكواكب ، لا يدل البتة على عدمها . فان قالوا : لو حصلت هذه الكواكب الصغيرة ، لم تكن لها قوة وتأثير أصلا لأجل أن صغرها يوجب ضعفها . فنقول : هذا باطل لأن عطارد مع غاية صغرة ، تقاربه سائر السيارات مع عظم أجرامها . بل نقول : الرأس والذنب نقطتان ، وأصحاب الأحكام أثبتوا لهما آثارا عظيمة . بل نقول : سهم السعادة ، وسهم الغيب نقطتان وهميتان ، والأحكاميون أثبتوا لهما آثارا

--> ( 1 ) الفصل الثاني في بيان هذا العلم عسر جدا : ان صعوبة العلم تظهر من وجوه ثلاثة الأول . . . الخ ( ت ) . ( 2 ) المسافة أبعد ، وكان يمتنع ( ت ) . ( 3 ) سقط ( طا ) .