فخر الدين الرازي

187

النبوات وما يتعلق بها

إذا عرفت هذا فنقول : الصور التي يشاهدها الأبرار ، والكهنة ، والنائمون ، والممرودون ، ليست موجودة في الخارج ، فإنها لو كانت موجودة في الخارج ، لوجب أن يراها كل من كان سليم الحس ، بناء على أنه متى كانت الحاسة سليمة ، وكان الشيء الحاضر بحيث تصح رؤيته ، ولم يحصل القرب القريب ، والبعد البعيد ، واللطافة ، والصغر ، وحصلت المقابلة ، فعند حصول هذه الشرائط يكون الادراك والابصار واجبا . إذ لو جاز أن لا يحصل الادراك عند حصول هذه الشرائط ، لجاز أن يصير عندنا جبال عظيمة ، وأصوات هائلة ، ولا نراها ولا نسمعها . ومعلوم أن تجويزه يوجب الجهالات العظيمة فثبت بهذا : أن تلك الصور غير موجودة في الخارج فيجب الجزم بأن ورودها على الحس المشترك ، انما كان من الداخل ، وهو أن القوة المتخيلة ركبت تلك الصور ، فانحدرت إلى الحس المشترك ، فصارت مرئية . وقد كان الواجب أن تحصل هذه الحالة أبدا ، الا أن العائق عنه أمران : الأول : أن الحس المشترك إذا حصلت فيه الصور المأخوذة من الخارج ، لم يتسع للصور التي تركبها المتخيلة ، فحينئذ تصير الصور ، التي تركبها المتخيلة ، بحيث لا يمكن انطباعها في الحس المشترك . والثاني : أن القوة العاقلة تكون مسلطة على القوة المتخيلة ، فتمنعها عن تركيب تلك الصور . إذا عرفت هذا ، فنقول : أنه إذا انتفى « 3 » الشاغلان معا ، أو أحدهما ، فإنه يحصل ذلك التلويح ، وذلك التشبيح . أما في وقت النوم فقد زال أحد الشاغلين ، وهو الحس الظاهر ، فلا ينتقل من الحواس الظاهرة إلى الحس المشترك شيء من الصور ، فيبقى لوح الحس المشترك خاليا عن النقوش الخارجية ( فيستعد لقبول الصور التي تركبها المتخيلة ) فتنحدر تلك الصور ) من المتخيلة ) « 4 » إلى لوح الحس المشترك ، فتصير محسوسة .

--> ( 3 ) انتهى ( ل ) بقي ( ت ، ط ) . ( 4 ) سقط ( ت ) ومن أول القوس إلى الصور : سقط ( طا ) .