فخر الدين الرازي
188
النبوات وما يتعلق بها
وأما في وقت المرض ، فان النفس تصير مشغولة بتدبير البدن ، فلا تتفرغ لمنع القوة المتخيلة من تركيب تلك الصور ، فحينئذ تقوى المتخيلة على عملها . وإذا قويت على هذا العمل ، عصت الحس المشترك عن قبول الصور ( الخارجية ، فوردت عليه هذه الصور ) « 5 » فتصير مشاهدة محسوسة ( والصور الهائلة التي تصير مشاهدة ) « 6 » في حالة الخوف هي من هذا الباب ، فان الخوف المستولى على النفس يصدرها عن تأديب المتخيلة « 7 » . فلا جرم تقدر المتخيلة على رسم صورها « 8 » في الحس المشترك كصورة الغول وغيرها . وكذلك قد تستولى على النفوس الضعيفة العقل : قوى أخرى ، كشهوة شيء ، فتشتد تلك الشهوة ، حتى تغلب العقل . فالمتخيلة تركب صورة ذلك المشتهى ، فتنطبع تلك الصورة من لوح الحس المشترك ، فتصير محسوسة . إذا عرفت هذا ، فنقول : انه يتفرع عليه المباحث الكثيرة : الفرع الأول : في سبب المنامات الصادقة والكاذبة : اعلم : أن الصور التي تركبها المتخيلة قد تكون كاذبة ، وقد تكون صادقة . أما الكاذبة فوقوعها ثلاثة أوجه : الأول : ان الانسان إذا أحس بشيء وبقيت صورة ذلك المحسوس في خزانة الخيال ، فعند النوم ، ترتسم تلك الصورة في الحس المشترك ، فتصير مشاهدة محسوسة . والثاني : ان القوة الفكرية إذا ألفت صورة ، ارتسمت تلك الصورة في الخيال ، ثم في وقت النوم تنتقل تلك الصورة إلى الحس المشترك ، فتصير محسوسة . كما أن الانسان إذا تفكر في الانتقال من بلد أو إلى بلد ، أو حصل خاطره رجاء شيء ، أو خوف من شيء ، فإنه يرى تلك الأحوال في النوم .
--> ( 5 ) سقط ( ت ) . ( 6 ) سقط ( ت ) . ( 7 ) يصدرها عن المتخيلة ( ت ) . ( 8 ) على تصورها ( ت ) .