فخر الدين الرازي
178
النبوات وما يتعلق بها
وأيضا بين كون العبد فاعلا وعاقلا وصانعا وخالقا ومحدثا في آيات كثيرة . ثم بين في سائر الآيات : أن الخير والشر كله من اللّه تعالى ، ولم يبين أنه كيف بجمع بين هذين القولين ، بل أوجب الايمان بهما على سبيل الاجمال ، وأيضا : بين أنه لا يعزب شيء عن مشيئة اللّه تعالى وارادته وقضائه وتقديره شيء البتة ثم بين انه لا يريد الظلم والعبث والباطل ، ولا يفعله . فالحاصل : أن طريقة نبينا في الدعوة هي تعظيم اللّه تعالى من جميع الجهات المعقولة ، والمنبع من الخوض في بيان أن تلك الجهات هل تتناقض أم لا ؟ فانا ان قلنا القبائح من أفعال العباد ، وحصلت بتخليق اللّه تعالى ، فقد عظمناه بحسب القدرة ، لكن ما عظمناه في الحكمة . وان قلنا إنها ليست من اللّه تعالى ، فقد عظمناه بحسب الحكمة ، ولكن ما عظمناه بحسب القدرة . ( وأما القرآن فإنه يدل على تعظيم اللّه تعالى بحسب القدرة « 15 » ) وبحسب الحكمة معا ، فقال ( في الأول « 16 » ) : « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 17 » » وقال في الثاني : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ « 18 » » ثم منع الناس من أن يخوضوا في تقرير هذا التعارض وفي ازالته ، بل الواجب على العوام : الايمان المطلق بتعظيم اللّه تعالى في القدرة وفي الحكمة . وفي الحقيقة . فالذي قاله هو الصواب . فان الدعوة العامة لا تنظم الا بهذا الطريق . وأما القسم الثاني من المباحث المتعلقة بالأديان : ما يتعلق باليوم الحاضر . وذلك هو أن يكون العبد مشتغل الزمان بخدمة المعبود ، وتلك الخدمة ، أما أن تعتبر في القلب ، وهو بالمعارف والعلوم . وأما بالبدن ، وهو الاتيان بالطاعات البدنية . واما بالمال ، وهو الزكوات والصدقات . ولما كان جمهور الخلق محتاجين إلى مرشدين يرشدونهم إلى هذه المعارف ، وهم
--> ( 15 ) سقط ( ل ) . ( 16 ) سقط ( ط ) . ( 17 ) النساء 78 . ( 18 ) النساء 79 .