فخر الدين الرازي
179
النبوات وما يتعلق بها
الأنبياء ، لا جرم وجب على الأنبياء أن يوجبوا عليهم الايمان بالأنبياء والرسل . والقسم الثالث من المباحث المتعلقة بالأديان : ما يتعلق باليوم المستقبل ، وهو معرفة الآخرة ، وأحوال ما بعد الموت . فهذه الأقسام الثلاثة : أهم المهمات للأنبياء والرسل في أن يشتغلوا بتعريف أحوالها ، وتفصيل آثارها . واعلم : أن المهمات على قسمين : أحدهما : إزالة ما لا ينبغي . والثاني : تحصيل ما ينبغي . والأول متقدم على الثاني . لأن اللوح إذا حصل فيه نقوش فاسدة ، فالواجب ازالتها أولا ، حتى يمكن تحصيل النقوش الصحيحة فيه ثانيا : فثبت : أن ازاله ما لا ينبغي متقدمة على تحصيل ما ينبغي . فلهذا السبب أول ما ذكر اللّه تعالى في القرآن : هذه المراتب . وهي سبعة : . المرتبة الأولى : إزالة ما لا ينبغي ، وهو المراد بالمتقى ، فلهذا بدأ اللّه بذكره ، فقال : « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ « 19 » » وأما سائر المراتب بعد ذلك فهي إشارة إلى تحصيل ما ينبغي ، وأشرف ما يتعلق بالانسان هو النفس ، وأوسط المراتب : هو البدن ، وأدونها المال . ولهذا ذكر بعد قوله « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » : قوله تعالى : « يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » فان محل الايمان هو القلب ، وبعده قوله : « وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ » لأنها تتعلق بالبدن ، وآخره قوله : « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » لأنه يتعلق بالمال . ولما ذكر هذه الأحوال الأربعة المتعلقة بالالهيات ، أردفها بذكر مرتبتين متعلقتين بالنبوات . فقال : « وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » وهذا
--> ( 19 ) البقرة 2 .