فخر الدين الرازي
177
النبوات وما يتعلق بها
ويمنعهم عن البحث في هذه المضائق ( والخوض في هذه الدقائق ) « 9 » ، الا إذا كان من الأذكياء المحققين والعقلاء المفلقين فإنه بعقله الوافر يقف على حقائق الأشياء وأيضا يبين لهم : كون العبد صانعا فاعلا قادرا على الفعل والترك والخير والشر . ويبالغ فيه فإنه ان ألقى إليهم الجبر المحض تركوه ، ولم يلتفتوا إليه ويبين لهم أيضا : أنه ، وأن كان الأمر كذلك ، الا أن الكل بقضاء اللّه - تعالى - وقدره ، فلا يغزب عن علمه وحكمه : ، مثقال ذرة في السماوات والأرض ، ثم يمنعهم بأقصى الوجوه عن الخوض في هذه الدقائق : فان طباع أكثر الخلق بعيدة عن هذه الأشياء . وبالجملة : فأحسن الطرق في دعوة الخلق إلى عبودية الحق . هو الطريق الّذي جاء به سيد الأنبياء : محمد عليه الصلاة والسلام . وذلك لأنه يبالغ في تعظيم اللّه تعالى من جميع الوجوه على سبيل الاجمال ، ويمنعهم من الخوض في التفصيل فيذكر في اثبات التنزيه قوله : « وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ « 10 » » وإذا كان غنيا على الاطلاق ، امتنع كونه مؤلفا من الأجزاء ، وإذا كان كذلك ، امتنع أن يكون متحيزا . وإذا كان كذلك ، امتنع أن يكون حاصلا في الأمكنة والأحياز . وذكر أيضا قوله : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 11 » » ولو كان جسما ، لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام ، بناء على قولنا : ان الأجسام بأسرها متماثلة . ثم إنه ذكر في جانب الاثبات : ألفاظا كثيرة ، وبالغ فيها . وهذا هو الواجب لأنه لو لم يذكر هذه الألفاظ ، لما تقرر عند الأكثرين : موجودا . وأيضا : بالغ في تقرير كونه عالما بجميع المعلومات ، فقال : « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ « 12 » » وقال : اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى ، وما تغيض الأرحام « 13 » » ثم لم يقع ( له خوض « 14 » في بيان أنه عالم لذاته ، أو بالعلم .
--> ( 9 ) سقط ( ل ، طا ) . ( 10 ) محمد 38 . ( 11 ) الشورى 11 . ( 12 ) الأنعام 59 . ( 13 ) الرعد 8 . ( 14 ) من ( طا ) .