فخر الدين الرازي
141
النبوات وما يتعلق بها
فثبت بهذه الوجوه : أن ارسال الرسول من الملائكة أفضى إلى المقصود [ من ارساله من البشر « 4 » ] . فان قالوا : ارسال الرسول من الملائكة يوجب أنواعا من المفاسد . أولها : ان الأمة . اما أن يشاهدوا ذلك الملك على صورته الأصلية أو على صورة أخرى « 5 » مستعارة ، والأول يوجب الخوف الشديد ، وزوال العقل . ألا ترى أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لما رأى جبريل - عليه السلام - على خلقته الأصلية غشى عليه . والثاني باطل . لأنه إذا رأى الملك على صورة الانسان ، فحينئذ لا يبقى بينه وبين الانسان فرق . وثانيها : ان الملائكة فيهم شدة عظيمة « 6 » وقهر شديد . فهم لا يسامحون البشر في زلاتهم ومعاصيهم بخلاف الرسول البشرى . وثالثها : ان الجنس إلى الجنس أميل . فألف الناس برسول يأتيهم من جنسهم : أكمل من الفهم بالملك . قلنا : أما السؤال الأول فمدفوع . فانا نقول : خلق الخوف ، والفزع في قلوب العباد : من اللّه تعالى . فكان يجب أن ) « 7 » يجعل قلوب البشر ، بحيث إذا شاهدوا الملك ، لم يفزعوا منه ، فيصير هذا المعنى معجزة على صدق ذلك الملك . ثم نقول : لم لا يجوز أن يقال : ان الناس يشاهدون ذلك الملك في صورة البشر ؟ ويكون الفرق بينه وبين سائر البشر : أن لا يحتاج إلى الأكل والشرب والملبوس والمنكوح . وهذا القدر من التفاوت لا يوجب الخوف الشديد ، ويحصل الامتياز بينه وبين سائر الناس ، وأما قوله ثانيا : « الملائكة لهم قهر شديد . فهم لا يسامحون البشر » قلنا : الملائكة لا يعصون اللّه فيما يأمرهم ، فإذا أمرهم بالرفق لم يفعلوا شيئا من التشديد . وأما قوله ثالثا : « الجنس إلى الجنس أميل » فنقول : حصول الميل في
--> ( 4 ) من ( ل ، طا ) . ( 5 ) الأولى ( ت ) . ( 6 ) قوة شديدة ( ت ) . ( 7 ) سقط ( طا ) .