فخر الدين الرازي
132
النبوات وما يتعلق بها
القسم الثاني ، وهو أن العبد انما رغب في تحصيل ذلك الاعتقاد « 4 » ] لنفسه ، لأنه اعتقد أن ذلك الاعتقاد : علم . فعلى هذا انما رغب في تحصيل هذا الاعتقاد لأجل الجهل السابق . فنعيد التقسيم في ذلك الجهل السابق . فإن كان ذلك لأجل جهل آخر يتقدمه ، لزم منه التسلسل ، وهو محال . فثبت : أن هذه الجهالات تترقى عند التصاعد إلى جهل أول ، وقع في القلب ( ومعلوم أن العبد لم يقصد ايقاعه ، فوجب أن يكون وقوعه في القلب « 5 » لأجل أن اللّه تعالى خلقه فيه . فثبت : أن خالق كل الجهالات في القلوب هو اللّه تعالى . وإذا ثبت هذا ، فبأن يجوز كونه فاعلا لما يوهم الجهل ، كان أولى . الشبهة الثالثة : لا شك أن أنواعا كثيرة من الجهالات حاصلة للعبد فهذه الجهالات . أما أن يقال : أنها حصلت على وفق إرادة اللّه تعالى ( أو على خلاف ارادته « 6 » ] فإن كان الأول ، كان تعالى مريدا للجهل . وعلى هذا التقدير ، فإنه لا يمتنع منه تصديق الكاذب ، سعيا في القاء الجهل في القلوب . وان كان الثاني ، لزم منه كونه ضعيفا عاجزا مغلوبا وكل من كان كذلك ، لم يمتنع منه الكذب . فثبت : أن على كلا التقديرين ، لم يكن تصديق الكاذب : محالا ، من اللّه تعالى . الشبهة الرابعة : مدار كلام القائلين بأن تصديق الكاذب ، محال على اللّه : على أن الكذب قبيح ( وهو من اللّه تعالى ) « 7 » الا أنا بينا : أن هذه القاعدة : مبنية على القول بتحسين العقل وتقبيحه . وقد عرفت أنه كلام اقناعي ضعيف جدا ، فكان المبنى عليه أيضا ضعيفا .
--> ( 4 ) من ( ل ، طا ) . ( 5 ) من ( ل ، طا ) . ( 6 ) إرادة اللّه تعالى ( ط ) . ( 7 ) من ( ل ، طا ) .