فخر الدين الرازي
102
النبوات وما يتعلق بها
مفرعة على البديهيات ، وإذا كان كذلك ، كان كل كسبى يوجب القدح في البديهي ، كان كالفرع القادح في الأصل ، وكل ما كان كذلك ، كان فاسدا . فعلمنا : أن العلوم الكسبية ، يمتنع كونها قادحة في العلوم البديهية ثم لما أردنا أن نبحث عن حقيقة العلوم البديهية لم نجد لها معنى ، الا العلم الحاصل في النفس ، ابتداء على سبيل الجزم ، من غير أن يقدر الانسان على تشكيك نفسه فيه ، وكل ما كان كذلك كان علما بديهيا . إذا عرفت هذه المقدمة . فنقول : أنا إذا رأينا انسانا شابا فطعنا بأنه كان جنينا في رحم أمه ، ثم بعد الانفصال من رحم أمه ، كان طفلا ، ثم صار شابا . ولو أن قائلا قال : أنه ما كان كذلك ، بل أنه حدث الآن شابا ، من غير هذه المقدمات ، والسوابق قطعنا : بأنه كاذب في هذا القول ، وجزمنا بأن الّذي يقوله : باطل وبهتان . ولما كان هذا الجزم حاصلا ابتداء ، من غير أن يستفاد ذلك الجزم من دليل متقدم ومن قياس سابق ، علمنا : أنه جزم بديهي ، وعلم أولى . وإذا ثبت هذا فنقول : لو قلنا إن حدوث انسان شاب ، ابتداء من غير تلك المقدمات والسوابق ممكن لزم أن يحصل مع هذا التجويز ذلك القطع والجزم . لكنا بينا أن ذلك القطع والجزم بديهي . فثبت أن الحكم بهذا التجويز حكم نظري ، يوجب القدح في البديهي . وقد بينا : أن كل ما كان كذلك ، فإنه باطل ، فيوجب ان يكون الحكم بهذا التجويز باطلا فثبت بهذا الطريق أن القول بانخراق العادات عن مجاريها : قول باطل . إذا عرفت هذا الأصل ، فلنذكر له أمثلة : المثال الأول : لو أن انسانا جوز « 12 » أن تنقلب مياه البحار والأودية دما عبيطا ، وأن تنقلب الجبال ذهبا أبريزا لقضى كل عاقل بالجنون عليه .
--> ( 12 ) أننا لو جوزنا : غير ( طا ) .