فخر الدين الرازي
103
النبوات وما يتعلق بها
المثال الثاني : لو أن انسانا جوز أن ينقاب الحمار الّذي في بيته انسانا حكيما محيطا بدقائق المنطق والهندسة ، مدرسا فيها ، وأن ينقلب ما في الدار من الخنافس والديدان : أناسا ، حكماء فضلاء ، وجوز أنه إذا رجع إلى بيته ، وجد حماره قائما مقام « بطليموس » في تدريس كتاب « المجسطى » ووجد الخنافس والديدان علماء فضلاء ، يبحثون مع ذلك الحمار في دقائق الهندسة والمنطق والإلهيات ، لقضى كل عاقل عليه بأعظم أنواع الجنون . المثال الثالث : لو أن انسانا شاهد مفازة خالية عن جميع أنواع العمارات ، ثم جوز أن يحصل فيها قصور عالية ، وأبنية رفيعة ، وأنهار جارية ، من غير أن يتكفل بتلك العمارات أحد من البشر ، ومن غير احضار الخشب واللبن والمسامير ، لقضى كل عاقل عليه بالجنون ، فثبت ان بدائه العقول قاضية بوجوب استمرار هذه الأحوال على مناهجها الأصلية ، ومجاريها المألوفة المعتادة ، وثبت أن تجويز انقلابها عن مجاريها يقدح في العلوم البديهية ، فوجب أن يكون القول به باطلا . الوجه الثاني : في بيان أن ذلك محال : أن نقول : اختصاص كل جسم بصفته المعينة . اما أن يكون لأجل ان اختصاصه بتلك الصفة واجب أو أن لم يكن واجبا ، لكنه أولى من غيره . أو لم يحصل هذا الوجوب ، ولا هذه الأولوية فان حصل مع الوجوب كان محالا ، وان حصل مع الأولوية فتلك الأولوية ان كانت لنفس الذات ، امتنع زوالها . وأن كان حصولها لصفة أخرى ، كان الكلام في الثاني كما في الأول . فيلزم أن يكون حصول أولوية كل صفة ، لأجل تقدم صفة أخرى لا إلى أول وذلك يوجب القول ( بقدم العالم ، وهذا يبطل القول بالنبوة ) « 13 » وأما القسم الثالث : وهو أن يقال اختصاص كل جسم تصفته المعينة ، لأجل أن الفاعل المختار ، خصصه بتلك الصفة من غير مرجح أصلا . فنقول : إذا جوزتم هذا ، فجوزوا أيضا أن يخلق تلك المعجز لا لمرجح أصلا . وذلك يقدح في قولنا : انه انما خلق المعجز لأجل التصديق . وإذا ثبت هذا ،
--> ( 13 ) سققط ( ت ) .