سميح دغيم

896

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

الجنس ؛ لأنّه لا بدّ فيما يكلّفه من الأفعال أن يختصّ بصفة تقتضي فيه من جهة العقل كونه واجبا أو ندبا ، ومن جهة الشرع كونه كذلك على جهة المصلحة واللطف ، وذلك لا يقع إلّا في فعل مخصوص وفي جملة من الأفعال إذا كان من أفعال الجوارح . فأمّا إذا كان من أفعال القلوب فلا يمتنع أن يكلّف الجزء منه لكنّه لا بدّ من أن يكون عالما به ، ويكون في بابه بمنزلة الأفعال المحكمة من أفعال الجوارح ؛ لأنّه إن كلّف الإرادة فلا بدّ من أن يكون عالما بها وبالمراد ، وإن كلّف النظر فكمثل . وإن كلّف العلم عن نظر فقد بيّنا أنّ العلم بالنظر يقوم مقام العلم به من حيث يتولّد عنه . وإن كلّف أن يفعله ابتداء فلا بدّ من أن يكون عالما لجنسه ، وإن لم يعلمه علما في الحال ( ق ، غ 11 ، 372 ، 10 ) - اعلم ، أنّ من حق الفعل متى صحّ وقوعه من المكلّف على الوجه الذي وجب عليه ، أن يحسن من المكلّف أو يكلّفه ، وأن يصحّ أن يعرف المكلّف وجوبه عليه ، ويتمكّن من فعله وتركه . لأنّه إنّما يجب عليه أن يؤدّيه على الوجه الذي وجب ولزم ، فإذا تمكّن من ذلك ففقد سائر الشرائط لا يؤثّر في هذا الباب . وقد علمنا أنّ إيجاد الشيء على الوجه الذي وجب عليه قد يمكن أن يفعله ابتداء وقد يمكن بأن يفعل ما يجب وجوده بوجوده . ولا فرق بين هذين الطريقين في أنّ معهما يمكن الأداء ، لأنّ الغرض أن يؤدّي ما وجب عليه بأن يوجده ، فإذا أمكنه أن يوجده بإيجاد سببه الذي يجب وجوده عنده فهو بمنزلة أن يتمكّن من إيجاده ابتداء . فإذا صحّت هذه الجملة ، وعلمنا أن الذي يوجده على جهة الابتداء ، إنّما يتمكّن من أدائه على الوجه الذي وجب بأن يعرفه بعينه وبما يختصّ به من صفاته ، فلا بدّ من أن يعرف ذلك ليصحّ منه أن يفعله . ومتى لم يعلم ذلك أو لم يتمكّن من معرفته ، فإيجابه عليه بمنزلة إيجاب ما لا يقدر عليه . ولذلك قلنا : إنّ تكليف الصبي والمجنون الأفعال التي لا يصحّ منهما أن يعرفاها ، بمنزلة تكليف ما لا يطاق في القبح . لأنّ مع المعرفة بعين هذا الفعل ، يصحّ الوصول إلى إيقاعه على الوجه الذي وجب ، كما يصحّ ذلك فيه مع القدرة والآلة ؛ فإذا وجب بفقدهما ، قبح تكليفه ؛ فكذلك القول مع فقد المعرفة ( ق ، غ 12 ، 236 ، 15 ) - إنّ الفعل لا يجوز أن يقترن به الإلجاء ، إلّا في أن يفعل ، أو ألّا يفعل ، لأنّ ثبوت الإلجاء إلى الوجهين يستحيل ، فإن صار ملجأ إلى فعله ، فلو لم يفعله لا يستحقّ الذمّ ، كما يقوله في الهرب من السبع بالعدو على الشوك ، وإن كان ملجأ إلى ألّا يفعله ، فلو فعله لاستحقّ الذمّ أو المدح . وقد بيّنا أنّ الذي به ينفصل الواجب من غيره ، هو استحقاق الذمّ بألّا يفعل ، وأنّ استحقاق المدح على فعله قد يوافقه فيه المندوب ، فلا يدخل تحت الحدّ الواجب ، وذلك ثابت في العدو على الشوك تخلّصا من السبع ، فيجب القضاء بوجوبه ؛ فإن كان المعلوم من حال الملجأ أنّه سيفعله لا محالة ، فكأن الواجب إذا اقترن به الإلجاء ، أثّر في حكمه ، لا في وجه وجوبه ، كما أن القبيح إذا اقترن به الإلجاء أثر في ذلك ، وكما أن فقد العقل إذا اقترن بالقبيح أثّر في حكمه ، لا في قبحه ( ق ، غ 14 ، 20 ، 9 ) - أنّا لم نقل إنّ الفعل إذا اقترن به الإلجاء ، فلا بدّ من كونه واجبا ، وإنّما قلنا ذلك فيما ثبت فيه