سميح دغيم

359

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

الأمر والإرادة ، فقد يتقدّم بأوقات كثيرة ، بل لا يمتنع عندنا أن يأمر ، تعالى ، بالفعل من هو في الحال غير موجود ، بشرط أن يوجد ويمكّن فيفعل . وقد بيّنا ذلك من قبل ، وذكرنا أنّه لا معتبر في كونه مكلّفا ، بأن يكون في الحال قادرا عاقلا موجودا . وإنّما يجب ذلك أجمع في حال الحاجة إلى الفعل ، حتى يتمكّن من أن يفعله على الحدّ الذي لزمه . وعلى هذا ، صحّ ما نقوله من أن قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ( النور : 56 ) ، أمر بهما لكل من يوجد إلى يوم القيامة . وعلى هذا الوجه ، يصحّ القول بأن كل مكلّف يحصل بصلاته مطيعا للرسول ، صلى اللّه عليه ، من حيث دعا جميع الخلق ، وأراد ذلك منهم ، وإن كانوا في وقته معدومين ، على الشرط الذي بيّناه ( ق ، غ 12 ، 314 ، 15 ) - يعجب ، رحمه اللّه ( أبو علي ) ، من قوله ( الجاحظ ) : إنّ التكليف لا يلزم إلّا مع شرائط : منها ، أن تكون الأدلّة قائمة ، وأن يكون المكلّف عارفا بالعادات ومختبرا لها وممارسا لمن تذاكر بالأدلّة ويتفاوض فيها ويكون قد تقدّم له المعرفة بالفصل بين المعجز والحيلة ، إلى غير ذلك مما تذكره . فقال : إذا كانت تقع بالطبع ، فما الحاجة بالمكلّف في هذه المقدّمات ؟ وهلا كفى منه أن يريد أن ينظر فيما شاهده من الأدلّة ، فيقع النظر وتقع المعرفة بعده طباعا ، كما يكفي في إيلام المضروب أن يضرب فيألم ، ولا يحتاج إلى مقدّمات ( ق ، غ 12 ، 321 ، 14 ) - إنّه لا يجوز أن يستمرّ العاقل على صفات التكليف ويزول التكليف عنه ، لما بيّناه من قبل في بابه . فإذا صحّ ذلك وأخلّ بالنظر الأول ، فإن كان ممن لا يبقى ولا يكلّف إلّا التكليف الأوّل فلا بدّ من أن يختلّ بعض الشروط التي لا يتمّ التكليف إلّا معه . ومتى استمرّ على حالته ، فالمعلوم أنّه تعالى سيكلّفه غير التكليف الأوّل ويبقيه أكثر مما يقتضيه التكليف الأوّل . فيجب ، إذا كان الحال هذه ، أن تلزمه معاودة النظر في معرفة اللّه ، تعالى ( ق ، غ 12 ، 452 ، 19 ) - صحّة التكليف ؛ وقد بيّنا أنّ من شرائط صحّته تقدّم التمكين ، فلا يعدّ ذلك في الألطاف ، وإنما الذي يدخل فيها ما يقتضي إيثار بعض ما يمكن منه على بعض ( ق ، غ 13 ، 17 ، 6 ) - إنّه تعالى إذا جعل المكلّف على الأوصاف التي معها لا بدّ من أن يكلّفه ، وجعله ممن سبق الإقدام عليه والامتناع منه ، وأراد منه ما كلّفه لكي يعرّضه للمنفعة ، فلا بدّ - إذا كان هذا قصده - من أن يفعل ما به يتمّ الأمر الذي قصده . وقد علمنا أنّ ذلك لا يتمّ إلّا بسائر وجوه التمكين ، فلا بدّ من أن تمكينه بها أجمع ، وإلّا كان ذلك ناقضا للتكليف ومؤثّرا في حكمة المكلّف . وكذلك إذا علم أنّ التمكين مع المعرفة بالأفعال والتمكّن من إيجادها ، فقد تقدّم على الواجب ، وقد يعدل عنه ، وكل ذلك صحيح فيه . ومتى خلق له ، وله اختيار الإقدام دون العدول ، فقد صار ذلك يتضمّنه التكليف من جهة الحكمة ، ولكن لا ينتقض الغرض فيه بمنزلة نفس التمكين ( ق ، غ 13 ، 17 ، 18 ) - أنّه يحسن تكليف من لا لطف له ( ق ، غ 13 ، 64 ، 2 ) - إنّما نحكم بأنّ اللطف كالتمكين إذا كان هناك لطف نتكلّم عليه . فأمّا إذا لم يكن له لطف