سميح دغيم

358

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

وإنّما يعتبر بكونه ممكّنا في حال الفعل ، وإن أريد بوصفه - تعالى - بأنّه كلّفه أنّه ألزمه الفعل الشاقّ في الثاني فيجب ألا يوصف بذلك المعدوم . والصحيح عندنا هو الوجه الأول ، وإن لم يبعد ألّا يطلق لما فيه من الإيهام ( ق ، غ 11 ، 368 ، 20 ) - فإن قيل : فما الذي يقتضي التكليف وجوبه على القديم - تعالى - ؟ قيل له : ثلاثة أشياء . منها التمكين لأنّ التمكين بالإقدار وغيره إذا تأخّر عن حال التكليف لم يجز أن يقال إنّ تقدّمه شرط في حسن التكليف . فلا بدّ إذا من القول بأنّ التكليف يقتضي وجوبه عليه . ومنها الألطاف لأنّها تنقسم . فما قارن التكليف يكون تفضّلا ، من حيث كان له ألّا يفعله - تعالى - بألّا يفعل التكليف معه ولم يتقدّم ما يقتضي وجوبه ، فكما أنّ التكليف تفضّل فكذلك اللّطف المقارن له ، ويفارق التمكين الذي يتقدّم التكليف . فأمّا التمكين الذي يفارق التكليف فالقول فيه كالقول في الألطاف ، وإن ثبت في اللطف ما يجب تقدّمه لحال التكليف حلّ محلّ التمكين في أنّه شرط في حسن التكليف ، وما تأخّر عن حال التكليف فلا بدّ من القول بوجوبه عليه . وسنذكر القول في ذلك في موضعه إن شاء اللّه . ومنها الثواب لأنّ التكليف يقتضي وجوبه بشرط أن يؤدّي المكلّف ما يجب عليه ولا يحبط ثوابه ، وكلّ ما لا تتمّ هذه الأمور الواجبة إلّا به فلا بدّ من وجوبه ؛ لأنّه قد ثبت أنّ ما لا يصح أداء الواجب إلّا معه على كل وجه فيجب أن يكون واجبا . ولذلك قلنا بوجوب الإعادة إذا أفنى اللّه - سبحانه - العالم ( ق ، غ 11 ، 431 ، 9 ) - سنبيّن أنّ من قال من أصحابنا البغداديّين : إنّ التكليف لا يزول عن أهل الآخرة غلّط فيما بعد ، وإن تعلّقهم بأنّه - تعالى - لا يصحّ أن يضطرّ العباد إلى العلم به - سبحانه - لاستحالة كونه مدركا ، ولأنّه لو جاز أن يفعل العلم به لغيره لجاز أن يفعل العلم به لنفسه ، لا يصحّ من حيث ثبت أنّ العلوم وإن اختلفت في الحسن فإنّ ذلك غير مؤثّر في كون القادر قادرا على جميعه ( ق ، غ 11 ، 494 ، 21 ) - اعلم أنّ الغرض بالتكليف تعريض المكلّف للمنزلة العالية التي لا تنال إلّا به ؛ على ما بيّناه من قبل . وذلك يقتضي انقطاعه ، لأنّه لو دام لم تؤل الحال بالإنسان إلى نيل المنزلة الملتمسة وذلك يوجب قبح التكليف ( ق ، غ 11 ، 516 ، 14 ) - أمّا أبو عثمان الجاحظ ، رحمه اللّه ، فإنّه ظنّ لقوة هذه الدواعي من الوجه الذي بيّنا أنّها تقع منه بالطبع ، ويخرج عن باب الاختيار ، فلم يجز دخولها تحت التكليف إلّا عند تساوي الخواطر والدواعي ، فإنّه يجوز عندهما دخول النظر تحت التكليف دون المعرفة . وفي سائر الأحوال يقول بأنّه إنّما كلّف الإرادة دون ما سواها ، لأنّ غلبة الدواعي عليه في الفعل عند الإرادة تخرجه من باب الاختيار إلى باب الطبع . وذكر مع ذلك أكثر الشبه التي أوردناها من قبل ، مستدلّا بها على أنّها ليست من فعل العبد ، ولا يجوز دخولها تحت التكليف . وأكثر من تكلّم في هذا الباب عنه أخذوا ، وببعض ما أورده تعلّقوا ( ق ، غ 12 ، 235 ، 7 ) - إن قيل : أتقولون ، في الفعل الذي إنّما يلزمه إذا قدّم قبله النظر والمعرفة : إنّه قد كلّف في الحال ، أو إنّما كلّف بعد الفراغ من المعرفة بأحواله ؟ قيل له : إنّ التكليف عنده إذا أريد به