رفيق العجم
20
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكّتهم وشاراتهم يوم الزينة ، فيباهي بهم الدول المسالمة ، ويرهب الدول المحاربة . وهذا آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة . لأنّهم في هذه الأطوار كلها مستقلّون بآرائهم ، بانون لعزّهم ، موضحون الطرق لمن بعدهم . الطور الرابع : طور القنوع والمسالمة . ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه ، سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله ، مقلّدا للماضين من سلفه ، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء ، ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنّهم أبصر بما بنوا من مجده . الطور الخامس : طور الإسراف والتبذير . ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أوّلوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه ، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدّمن ، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلّون بحملها ، ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منها ، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه ، حتى يضطغنوا عليه ، ويتخاذلوا عن نصرته ، مضيعا من جنده بما أنفق أعطياتهم في شهواته ، وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقده . فيكون مخرّبا لما كان سلفه يؤسّسون ، وهادما لما كانوا يبنون . وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ، ولا يكون لها معه برء ، إلى أن تنقرض ، كما نبيّنه في الأحوال التي نسردها . ( مقد 2 ، 553 ، 12 ) اعتمار - إنّ الأمّة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء ، والسبب في ذلك واللّه أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم ، فيقصر الأمل ويضعف التناسل ؛ والاعتمار إنّما هو عن جدّة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية . فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبيّة ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم ، تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم ، وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم ، بما خضد الغلب من شوكتهم ، فأصبحوا مغلّبين لكل متغلّب وطعمة لكل آكل ؛ وسواء كانوا حصلوا على غلبتهم من الملك أو لم يحصلوا . وفيه واللّه أعلم سر آخر وهو أنّ الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له ؛ والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزّه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده ؛ وهذا موجود في أخلاق الأناسي . ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة ، وإنها لا تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء . ( مقد 2 ، 511 ، 16 ) - الجباية أوّل الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة ، وآخر الدولة تكون كثيرة