رفيق العجم
21
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
الوزائع قليلة الجملة . والسبب في ذلك أن الدولة : إن كانت على سنن الدين فليست تقتضي إلا المغارم الشرعية من الصدقات والخراج والجزية ، وهي قليلة الوزائع - ( ما يتوزّع على الأشخاص ) - لأن مقدار الزكاة من المال قليل . . . ، وكذا زكاة الحبوب والماشية ، وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية ، وهي حدود لا تتعدى ؛ وإن كانت على سنن التغلّب والعصبية فلا بدّ من البداوة في أولها . . . ، والبداوة تقتضي المسامحة والمكارمة وخفض الجناح والتجافي عن أموال الناس ، والغفلة عن تحصيل ذلك إلا في النادر ، فيقلّ لذلك مقدار الوظيفة الواحدة والوزيعة التي تجمع الأموال من مجموعها . وإذا قلّت الوزائع والوظائف على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه ، فيكثر الاعتمار . ويتزايد محصول الاغتباط بقلّة المغرم ، وإذا كثر الاعتمار كثرت أعداد تلك الوظائف والوزائع ، فكثرت الجباية التي هي جملتها . فإذا استمرّت الدولة واتّصلت ، وتعاقب ملوكها واحدا بعد واحد واتّصفوا بالكيس ، وذهب شرّ البداوة والسذاجة وخلقها من الإغضاء والتجافي ، وجاء الملك العضوض والحضارة الداعية إلى الكيس ، وتخلق أهل الدولة حينئذ بخلق التحذلق ، وتكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما انغمسوا فيه من النعيم والترف ، فيكثّرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا والأكرة والفلاحين وسائر أهل المغارم ، ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة مقدارا عظيما لتكثر لهم الجباية ، ويضعون المكوس على المبايعات وفي الأبواب كما نذكر بعد ، ثم تتدرّج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار لتدرّج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات والإنفاق بسببه ، حتى تثقل المغارم على الرعايا وتنهضم وتصير عادة مفروضة ، لأن تلك الزيادة تدرّجت قليلا قليلا ولم يشعر أحد بمن زادها على التعيين ، ولا من هو واضعها ، إنما تثبت على الرعايا كأنها عادة مفروضة ، ثم تزيد إلى الخروج عن حدّ الاعتدال فتذهب غبطة الرعايا في الاعتمار لذهاب الأمل من نفوسهم بقلّة النفع ، إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين ثمرته وفائدته ، فتنقبض كثير من الأيدي عن الاعتمار جملة ، فتنقص جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها . وربما يزيدون في مقدار الوظائف إذا رأوا ذلك النقص في الجباية ويحسبونه جبرا لما نقص ، حتى تنتهي كل وظيفة ووزيعة إلى غاية ليس وراءها نفع ولا فائدة ، لكثرة الإنفاق حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة المرجوّة به . فلا تزال الجملة في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه من جبر الجملة بها ، إلى أن ينتقض العمران بذهاب الآمال من الاعتمار ، ويعود وبال ذلك على الدولة ، لأن فائدة الاعتمار عائدة إليها . وإذا فهمت ذلك علمت أن أقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين ما