رفيق العجم

مقدمة 31

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني

علم البيان . وقد عبّر ابن خلدون نفسه عن هذه الضرورة ، إذ قال في أثناء حديثه عن أهل التصوّف : « ثم إن لهم مع ذلك آدابا مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم ، إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة ، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا على التعبير عنه بلفظ يتيسّر فهمه منه » « 1 » . فمن ذلك إطلاقه كلمة « العمران » على الاجتماع الإنساني ، و « علم العمران » على البحوث التي تدرس ظواهر هذا الاجتماع للكشف عن القوانين الخاضعة لها ؛ و « العصبية » على القوة والمنعة الناشئتين من روابط القرابة بين أفراد العشيرة أو القبيلة ، و « العرب » بمعنى البدو . . . إلخ . ولنحلّل بقليل من التفصيل مصطلح « العصبية » عند ابن خلدون ، والذي غدا بمعنى وجدان القوم والشوكة والعنصرية ، ولم تعد عصبية بطن أو قبيلة ؛ إن انطلاقة فهم العصبية الخلدونية ترتكز على صلة الدم والرحم وعلى النعرة . وفي العودة إلى أصل دلالة العصبية والنعرة ، فإن القارئ يجد أن العصبية من عصب ، والعصب : أطناب المفاصل التي تلائم بينها وتشدها . . . ولحم عصب : صلب شديد . . . وعصب الشجرة يعصبها عصبا : ضمّ ما تفرّق منها بحبل . وعصبة الرجل : بنوه وقرابته لأبيه . . . وقد تعصّبوا عليه إذا تجمعوا « 2 » . والجامع الشامل لهذه الدلالات : التماسك والتآزر والاجتماع والانشداد ، وربما كان مردّ هذا التماسك والانشداد صلة الدم أو العرق والجنس إلخ . . . فالعصبية بمعناها اللغوي تماسك الجماعة وشكيمتهم على قاعدة ، وهي أشبه بنزعات العاطفة والوجدان المشترك الذي يشدّ جماعة ما إلى بعضهم . أما النعرة : فصوت في الخيشوم . . . وينعر : صاح . ويقال دلالة على صورة خروج الدم . والنعرة : النخوة والأنفة « 3 » . لذا فإن المشترك فيما بين هذه الدلالات هو الصوت وحركة الدم والنخوة . فالفعل الجمّاع في باطن الفهم تبلور بالإحساس الوجداني وبالحاجة إلى التماسك ، وليس عبثا أن

--> ( 1 ) المقدمة ، 3 / 1099 . ( 2 ) ابن منظور ، لسان العرب ، مادة عصب . ( 3 ) المرجع ذاته ، مادة نعر .