رفيق العجم
مقدمة 27
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
الظفر إلى التأسيس والاستبداد ، فالغنى والتوسّع إلى الدعة والخمول والانهيار ، ثم عودة مجدّدة . إن ابن خلدون وقف بين تأمّلية نظرية تدور حول صورة عالم انقضى وبين بشارة بعالم يأتي . ووقفته هذه بيّنة في نزعته لتحقيق صيرورة اجتماعية ثقافية محدّدة . لم يدرك ابن خلدون الإنسان كذات وكموضوع معا ، فيخرج بصيرورة فلسفية للإنسانية ، ولم يكتف بالتجربية الخالصة ، فإن دورته وعمل العصبية وربط الوقائع تدلّ جميعها على محاولات إضفاء الذات المتفلسفة على الموضوع . ولعلّ ما حلّ بنظرة ابن رشد الفلسفية من تطوّر ، يمثّل بعدا فاعلا في المدركات الخلدونية ، وهذا حكم الأوضاع الثقافية والاجتماعية ، وربما درجة تطوّر العلوم وأبحاثها ، بما تمدّانه من منهج . لقد تخطّى ابن خلدون كل كتبة التاريخ العربي والإسلامي الذين تحكّمت فيهم النظرة الذرية الكلامية لرؤية العالم مجزّأ غير متّصل ، وأن الزمان محصور في الحدث والخبر التاريخيين عندهم ، إضافة إلى جهلهم بالوقائع وعدم موضوعيتهم ونقلهم الأخبار والخرافات من غير تدقيق . وهو ، في تخطّيه لهم ، حاول رؤية التاريخ في زمان متّصل كلّي شمولي مترابط متفاعل الأحداث تحرّكه فاعلية ما . إنه في هذا يلتقي مع الفارابي في التخلّص من النظرة المجزّأة ومن المدن المبعثرة ، إلى النظرة الكلّية الشاملة إلى الأمة واجتماعها العام على أسس ، فإلى ترابط العالم والوجود ترابطا متّصلا . ولم يكن ذلك تأثّرا بالعقل اليوناني ، فابن خلدون ليس بمنظر أو فيلسوف بالمعنى التقليدي ، بل جاء فكره نتيجة دواعي مجتمعية ، وتطوّر في الذات العارفة ، والذات المجتمعية ، أفضت جميعها للالتقاء بالعقل اليوناني عند الفارابي ، وللزمان المتّصل في العمران والتاريخ عنده هو . بيد أن هذا الزمان لم يبلغ مبلغ الكمال في صيرورة غدوية مستقبلية إذ انحبس عند معطيات مجتمعه بوقائعه وبناه المعرفية ومنها اللسنية . وخلاصة القول مفادها أن ابن خلدون نموذج مثال للمفكّر التاريخي والاجتماعي ، ابن الثقافة العربية والإسلامية . لقد ترك في مقدّمته الشواهد الحيّة