رفيق العجم
مقدمة 22
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
الجميع أسقطوا قبليات ومواقف على الخلدونية ، إذ تدخّلت الذات العارفة عندهم بما تحمله من أحكام وأبعاد تأويلية . ولا بأس في تحليل بعض النماذج المؤيّدة لما ذهبنا إليه من عطاء ابن خلدون وهي : 1 - النزعة العقلية المتمثّلة بالنقد والمنهجية الدينية . وقد مثّل النقد نموذجا من النهج التجريبي لأنه اعتمد صدق الواقعات ، أي مطابقة الأخبار التاريخية للأحداث الواقعة . ودارت المنهجية الدينية في قياس الغائب على الشاهد ، والتسلّح بطريقة الجرح والتعديل المتعلّقة بأقوال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن خلدون : « إنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادة الصدق » . « وكثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّا أو ثمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها . . . » « 1 » . ومن نماذج المنهجية الدينية التي تأثّر بها ابن خلدون علاقة التناسب ، المسمّاة في أقيسة أصول الفقه : المناسب والمؤثر والمشابه إلخ . . . وقد طبّق المناسب على الواقعات القائمة نافيا إمكانية معرفة الواقعات المستقبلية ، أي التوقّع لأنه غيب . وهذا نموذج لواقعيته العقلية وسمة من سمات المنهج العربي التجريبي العقلي ، قال في هذا الصدد : « إن التناسب بين الأمور هو الذي يخرج مجهولها من معلومها . وهذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم . وأما الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها ، فهو غيب لا يمكن معرفته » . وقد عبّرنا صيف نصّار عن ما يمكن استنتاجه في هذا المنحى الخلدوني
--> ( 1 ) المقدمة ، 1 / 291 .