رفيق العجم

مقدمة 23

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني

بخلاصة مؤدّاها : إن فكر ابن خلدون لم يتبنّ النظر المجرّد الخالص ، والإنسان عاجز عن تجاوز أفق الطبيعة والكائنات الحسّية في الفكر أو به . وإن الفكر يطلب معقولية متناسبة بين الأشياء المادية ، فالتجربة محورها الواقعات ، والفكر وجهه الحكم الذي يوحّد الواقعات « 1 » . إن ما يهمّنا من كل ما سبق بيان أثر الخاصية العربية في الاعتماد على المجرّب ورؤية الواقعات حادثات متبعثرة ، وأن المرجعية الدينية فعلت فعلها في بنيان الفكر لجهة إدراك الواقعات عند ابن خلدون . 2 - الاتجاه التاريخي المتمثّل بمعرفة الوقائع وما يرتبط بها من مظاهر النشاط الإنساني . لقد اتّجه ابن خلدون تبعا لتجربته إلى تلمّس الواقعات التاريخية والتعرّف عليها من غير أن يعتمد الأسبقية الفكرية لتنظيم معرفته ، ومن دون أن يكتفي بقول المؤرّخين والإيراد النقلي للأحداث بعيدا عن النقد والتمحيص . فعمله الفكري تجلّى في النقد والتمحيص . وقد استعار هذا المنحى الأخير من طريقتي السبر والتقسيم والجرح والتعديل على الأرجح . أما اتّجاهه إلى تلمّس الواقعات فكان متميّزا . إن الوقائع التاريخية بنظره واقعات مفردة هي أشبه ما يكون بالذرّات ، والواقعة تقابل الجوهر الفرد ، فالبعد كلامي عربي . لكن جديد ابن خلدون على هذا الإدراك للوقائع أن الناظر إليها ظاهريّا يراها واقعة أو ذاتا حادثة مستقلّة لها خصائصها . أما إذا نظر إليها في تعمّق ، أي نظرة الباطن للأمور ، لعلم كنهها وأسبابها وكيفيات حدوثها . فالرؤية هنا فلسفية رشدية تجعل للحوادث أسبابا على نهج انتظام الطبيعة بنظم وتماسك ، منعا من التفلّت والفوضى . وإن الأسباب ضرورية في الأشياء الحادثة في الزمن . التاريخ حسب ابن خلدون : « لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول . تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذ غصّها الاحتفال وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تغلّبت بها الأحوال واتّسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرض ، حتى نادى بها الارتحال وحان منهم الزوال . وفي باطنه نظر وتحقيق

--> ( 1 ) نصّار ، ناصيف ، الفكر الواقعي عند ابن خلدون ، بيروت ، دار الطليعة ، 1981 م ، ص 120 - 121 .